تحميل رواية و قصة ممو زين كاملة pdf

تحميل رواية و قصة ممو زين كاملة pdf
تحميل رواية و قصة ممو زين كاملة pdf

كاتب ملحمة و رواية ممو زين pdf

 تحميل رواية وقصة ممو زين كاملة

تحميل رواية وقصة ممو زين كاملة

التحميل من هنا

من روائع الأدب الكردي في القرن السابع عشر
قصة حب نبت في الأرض وأينع في السماء
ملحمة ( ممو زين ) للشاعر الكبیر
أحمد خاني
الاھداء:
إلى كل قلب كتب علیه أن یتجرع الحب علقما ولا یذوقه رحیقا
وأن یحترق في ناره ولا یقطف مرة من ثماره
أقدم هذه القصة
عسى أن یجد فیها بردا من العزاء والسلوى
محمد سعید رمضان البوطي
اقرأ عن حیاة أحمد خاني:

إن لبطلي ھذه القصة المؤثرة قبرين معرفین في جزيرة ابن عمر . وقد أقیم علیھما , فیما بعد , مدرسة
كبیرة لطلاب العلوم الشرعیة . والقبران جاثمان ھناك لكل من يريد رؤية الحب الذي نبت في الأرض ,
وأينع في السماء.

ممو زين – في محراب الإلھام

تعال ایها الساقي فاملأ هذا الجام خمرا … املأه من تلك الخمرة الوردیة التي اعتصرت من جنى الروح ,
واستخلصت من ذوب سر القلوب .ثم اسقنیها من شفاه كؤوسك الدریة المجوهرة أقداحا إثر أقداح , اسقنیها
نشوة تهیج مني فؤادي الغافي وتسكر عقلي الحیران .(1(
وأنت أیها الشادي …تعال فاجلس الى جانبي لتتم سكرة الروح بشجي من غنائك , أسمعني أنغام الناي والكمان
, أطربني بوقع الدفوف والألحان.
أبهجوا عیني بمرآى الورود الفاتنة والأغصان المتمایلة , دعوا كل هذا یاخذ بمشاعري وإحساسي لیسكرني
عن هذا الوجود الذي حولي , فعسى أن تضمحل مني كثافة هذه المادة والجسم فأظل قلبا وروحا , وأبقى معنى
وإحساسا . وعسى أن یدكرني إذ یدركني إذ ذاك فیض من نور القدس , فیعكس إلى نفسي قبسا من إشراقه
ویقذف فیها نورا من ضیائه , فیصفو مني القلب وتجلو أمام عیني أسرار هذه الحیاة . لكي أغدو مع كل صباح
فأترجم للناس حدیث النسیم مع الأغصان , وأشرح لهم مغازلة الطیور للأزهار , ولكي أسیر مع الأصائل فأقرأ
لهم آیات الشمس المنبسطة فوق صفحة الخمائل والغدران , وأردد مع العنادل والبلابل أنغام الحب والجمال ,
ولكي أسكرهم من جمال هذا الكون بخمر من مداد قلمي , وأطربهم من ألحانه ببیان قلبي ولسني.
هات أیها الساقي …هاتها كؤوسا مترعة من هذه الراح , لكي أنفض بها من قلبي أحزانه , ولكي أغدو مخمورا
بحرارة لذعها ویسكر مني العقل بنشوتها.
هاتها لیهیج مني الفكر فأنطق بأسرار القلوب , ولتستعلي مني الروح فأنثر من مكنون المعاني ودرها ,
وأكشف عن خلجات النفوس ووجدها , وأبین عن آلام الأفئدة وحبها.
سأرسلها أنغاما تطرب القلوب من غیر أوتار , سأبعثها شذى عطرا یبهج النفوس من دون أزهار , سأبعث
الیوم تاریخا من الحسرات والآلام أغمض عینیه من دهر ونام , سأشعل من جدید زفرات لمعت في صدور ..
ونارا الهبت في قلوب , ثم خمدت بعد أن أحالتها إلى رماد ! سأعید الحیاة بروح من بیاني إلى ( ممو ) و ( زین
) ضحیتي نار الحب والغرام . لأدواي قلبیهما بفیض من شعري وإحساسي , إذ لم یرحمهما أحد بدواء الوصل
والإسعاد , سأزیح للناس الحجاب عن قلب ذلك المسكین الذي كواه الحب المستعر وسحقه الكید والحقد , وعن
قلب تلك البریئة الطاهرة طهارة المزن بین السحب . تلك التي أذابها الشقاء واعتصرتها ید الظلم كما تعتصر
الوردة الناعمة في كف غلیظة قاسیة . سألبس كلا من هذین الحبیبین ثوبا مطرزا من بیاني , ثم أرفعهما إلى
أوج التاریخ فلیخلدا ولیخلد صدى زفراتهما مدى الدهر والحیاة , ثم لیمر من أمامهما كل مستعرض وناظر .
فلیبك أناس حرمانهما واحتراقهما , ولیفتتن آخرون بلطف (زین ) وجمالها.
وعسى أن یسأل لي الرحمة أیضا كل من یسترحم لهما , وعسى أن یدركني أنا أیضا أثر من عطفهم وقبس من
دعائهم , وعسى أن یقول أناس : رحمه االله فقد وشى حیاتهما بوشي جمیل , وغرس قصتهما في بستان
الخلود.
وعسى أن یتلطف الناقدون لسفري هذا في نقدهم , فهو وإن لم یبلغ درجة الكمال ولكنه طفلي الغالي … عزیز
الى نفسي , مدلل عند قلبي , جمیل في عیني . وهو بستان وإن كان قد یرى بین ثماره ما هو فج غیر یانع ,
غیر یانع , غیر أنها حدیقة فؤادي وأزهار فكري ولبي . وحسبهما من جهدي ما قدمت , وحسبي منها ما
أثمرت
1الشاعر كما قلت في المقدمة صوفي النزعة وعلى جانب كبیر من الدين والعلم … فحديثه عن الخمر
والأقداح ونحو ذلك مما يعبر به كثیر من الشعراء والمتصوفة على سبیل المشاكلة والمجاز

ممو زين – الجزيرة الخضراء

حدث ذلك في حوالي عام 1393 م في جزیرة ( بوطان ( المعروفة الیوم باسم – جزیرة ابن عمر – تلك التي تقع
على شاطئ دجلة , وتمتد في اتساع شاسع بین الهاب والتلال الخضر الواقعة في شمال العراق.
واسم هذه الجزیرة یتألق في مقدمة ربوع كردستان التي یمتاز معظمها بقسط وافر من جمال الطبیعة وبهائها ,
اذ ننشعب بین ریض طبیعیة بدیعة , وینعكس الیها من شائر أطرافها بریق دجلة الذي یحف بمعظم جهاتها ,
كما یزید في روعة جمالها جبالها الشاهقة في جو السماء , التي تفاخر في علوها العجیب وفتنتها الخضراء
معظم جبال العالم , وتنتشر من حولها سر الخلود وآیات الجلال.
وانبعثت حوادث هذه القصة من قصر أمیر الجزیرة ( الأمیر زین الدین ) , حیث كانت بلا الأكراد آنذاك وما بعد
ذلك العصر إلى أواسط عهد العثمانیین منقسمة إلى عدة إمارات , یتولى إدارة كل منها أمیر یتمتع بالجدارة
والقوة.
ولم یكن الأمیر زین الدین ذا كفاءة عالیه فحسب … بل كان یتمتع إلى ذلك بغنى واسع وبمظهر كبیر من القوة
والسلطان . والغریب أن ذلك لم یكن لیمنعه من امتلاكه العجیب لقلوب أمته , واكتسابه محبة سائر طبقات شعبه
, مما أذاع اسمه مقرونا بالهیبة والإجلال لا في بوطان وحدها , بل في سائر أنحاء كردستان وإماراتها.
ولم یكن قصره الذي كان یرى من بعید كأنه برج هائل , كقصور بقیة الأمراء من أمثاله , وإنما كان آیة من
آیات الفن والإبداع .. كان منتهیا إلى أقصى حد في البذخ المبذول لتصمیمه وتشییده وإقامة أبهته!..
ولم تكن في داخله أبهاء وقیعان فاخرة فحسب , وإنما كان یزدان أیضا بمتاحف تضم مختلف العجائب والنوادر
, وأنواع المجوهرات الغریبة والفاخرة!..
أما رحابه وشرفاته فكانت تمیس بعشرات الغلمان .. وبمثل ذلك من أجمل الجواري والفتیات … یجبن في
أنحائه , ویضفن على رحابه جوا سحریا یشع بالفتنة والجمال.
غیر أن الآیة الكبرى للجمال في ذلك القصر لم تكن منبعثة عن أي واحدة من تلك اجواري والحسان , وإنما
كانت سرا لدرتین شقیقتین غیر كل أولئك . خلقهما االله في ذلك القصر ، بل في تلك الجزیرة كلها مثلا أعلى
للجمال ، ونموذجا كاملا للفتنة والسحر الإلهي في اسمى مظاهرهما ، وكأنما أبدعتهما ید الخلاق هذا الإبداع
العجیب في ذلك القصر الرائع لیؤمن كل فنان بارع ، ومبدع وصانع ، بأن الجمال إنما هو هذا ..! لا رصف
الأحجار وفن النقش وصنعة التلمیع ، هذه فتنة تبهر القلوب وتسكر الألباب ، وذلك رونق یبرق في الأعین
ویزیغ بالأبصار ، وشتان ما بینهما من فرق.
ولم تكن هاتان الشقیقتان سوى أختین للأمیر زین الدین . كان اسم كبراهما ( ستي ( وكانت بین البیاض
الناصع والسمرة الفاتنة / قد أفرغ الجمال في كل جارحة من جسمها على حدة ، ثم أفرغ بمقدار ذلك كله على
مجموع جسمها وشكلها ، فعادت شیئا أبرع من السحر وأبلغ من الفتنة.
وأما الصغرى واسمها ( زین ) فقد كانت وحدها البرهان الدال على أن الید الإلهیة قادرة على خلق الجمال
والفتنة في مظهر أبدع من أختها وأسمى.
كانت هیفاء بضة ذات قوام رائع ، قد ازدهر في بیاضها الناصع حمرة اللهب ، ذات عینین دعجاوین أودعهما
االله كل آیات الفتك واللطف التي تتسامى على التعبیر.
ولم تكن شقراء ، غیر أن شعرها الاسود الفاحم – وقد أحاط كسحر اللیل بوجهها الذي قسمت ملامحه أبدع
تقسیم وامتزج فیه عند الشفاه ولهب الوجنتین ببیاضه الناصع – كان یثخن الألباب فتكا ویغمر العقل سكرا.
وكانت لها الى ذلك كله رقة عجیبة في روحها ، وخفة متناهیة في دمها . فكانت في مجموعها خلاصة لأروع
أمثلة المال والخفة واللطف.
وعلى الرغم من أن هاتین الغادتین كانتا لؤلوتین محجوزتین في صدفة ذلك القصر عن معظم الأبصار ، فقد
كان اسماهما ذائعین منتسرین في سائر أطراف الجزیرة بل في كثیر من بلاد كردستان ، یتخذون من شهرتهما
المقیاس الأعلى والمثل الكامل للجمال.
وقد كان من الغریب في الواقع أن تخلق تلك الفاتنتان في قصر أمیر بوطان لتصبحا أجمل زهرتین تحبسان في
رحابه عن الأنظار ، لولا أن الشعب الكردي عامة وأولي الزعامة فیهم خاصة غرست في طبیعتهم غیرة ملتهبة
لا تكاد تفارق جوانحهم ، مما یجعلهم یتحرجون من اختلاط الجنسین ألا بمقدار … هذا ألى أن شقیقهما الأمیر
كان قد أوتي مزیدا من هذه الغیرة بین جانبیه ، وزادها ما كانت تتمتع به اختاه من ذلك الجمال النادر الذي أبى
إلا أن یذیع اسمیهما في الجزیرة كلها وفي معظم البلاد الاخرى .. ولذلك فقد كان من العسیر جدا أن یكون
لعشاق ذلك القصر الكثیرین نصیب منه غیر السماع … وتسقط الأخبار

ممو زين – عید الربیع  النوروز 

كان الوقت أصیلا ، والناس یودعون یوم 20 مارس لیستقبلو من ورائه ربیع سنة جدیدة ، وكانت أعمالهم
وحركات طرقهم وأسواقهم قد اتخذت مظهرا لنشاط جلي غیر معهود . فقد كان علیهم جمیعا أن یتهیئوا
ویستعدوا للخروج مع صباح الیوم الثاني إلى ظاهر المدینة . ویقضوا بیاض نهارهم فوق المهاد الخضر
الوارفة ، وعلى ضفاف دجلة وفي سفوح تلك الجبال . وذلك جریا وراء تلك العادة الساریة في جمیع أنحاء
كردستان من الإحتفال في مثل ذلك الیوم بشروق الربیع ویومه الجدید . فالطبیعة لها علیهم حق ومنة كبرى .
ومن واجبها علیهم أن یحتفلوا بها في مولدها الجدید ، فینطلقوا جمیعا من كبیر وصغیر ورجل وأنثى تاركین
ورائهم كل آثار التصنع والتكلف التي تعج بها دنیا المدن والعمران ، الى حیث تلوح صفحات الإبداع الإلهي
الساحر . فیخشعون لها وحدها ، ویظلون معها في نشوة ومرح إلى أن تتوارى عنهم شمس ذلك الیوم…
وكان مظهر هذا النشاط الملموح عاما في كل أرجاء الجزیرة وأطرافها ، لا سیما حول قصر الأمیر . فقد كان
على رجال القصر وحاشیته أن یفرغوا مساء ذلك الیوم من تنظیم منهاج لموكب الأمیر الذي سیشرف بنفسه
على مهرجان الربیع . وقد ینتهز الفرصة فیقوم أیضا برحلة إلى الصید مع جمع من رجاله وحاشیته . أما داخل
القصر ، فقد كان أهدأ ناحیة فیه القسم الأعلى منه . كان خالیا تماما لیس فیه أحد إلا الأمیرتان زین و ستي ،
كانت منحازتین إلى إحدى الشرفات ومتخذتین مجلسهما على بعض متكآت تلك الشرفة ترقبان ساعة الغروب ،
وترنوان إلى الأصیل والآكام ، وعلى صفحة دجلة الذي یتشعب ملتویا حول معظم أطراف الجزیرة.
قالت ستي : ‘‘ یبدو أنني لن أعثر على الرجل الذي أعجب به إلا أذا بلغ أثر جماله لدي مبلغ فتنة هذه الطبیعة
الحالمة وأثرها في نفسي ’’..
فأجابتها زین : ‘‘ ولكن ویحك إن هذا یعني أن یكون ذلك الرجل بالغ الذروة في الجمال . وأین تجدین من قد
استقر فوق هذه الذروة ..؟ أم لعلك تحسبین أن الرجال كلهم یعیشون في قصر مثل قصرك هذا ، وینشؤون في
مثل ما أنت فیه من نعمة ؟ ’’
قالت : ‘‘ ولكن لا بد عند البحث أن یوجد مثل هذا الرجل الذي أتخیله وأعنیه ’’.
فأجابتها زین مستضحكة : ‘‘ ولكن كیف تستطیعین أن تبحثي عن رجل خیالك هذا ..؟ أم أنك قد أصبحت رجلاً
كالرجال .. تداخلینهم وتستعرضینهم في أندیتهم ومجامعهم حتى إذا ما عثرتي علیه أتیت به وركنت الیه.. ؟’’!
فأطرقت ستي متكئة ، وهي تداعب خصلات من شعرها ، ثم هزت رأسها وهي تقول : ‘‘ أجل ، فالمشكلة إنما
هي هذه فقط’’…
وعادت إلى السكوت.
وبعد قلیل انفجرت زین بضحكة عالیه .. ثم أسرت إلى أختها قائلة :
‘‘لقد وجدت لهذه المشكلة حلا فاسمعي’’…
واعتدلت في جلستها ، ثم دنت إلى أختها ، كأنما تخشى أن یسمعها أحد . وأخذت تقول:
‘‘تعلمین أن غدا هو عید الربیع ، وأن أهل الجزیرة كلها سیخرجون في هذه المناسبة إلى الحقول والریاض .
ولا شك أن ذلك أجمل فرصة لما تفكرین فیه’’..
فقالت : ‘‘ ویحك وأین الحل في هذا ..؟؟ فمتى كانت النساء یمتزجن بالرجال في مثل هذا الیوم الإمتزاج الذي
تظنین ..! وهل تجهلین أنه ستكون لنا أمكنة خاصة من دون الرجال ، أم ’’..
فقاطعتها زین قائلة : ‘‘ ولكنني لم أقل لك الحل بعد . أرید أن أقول إن أحدا من الناس لن یبقى غدا في هذه
المدینة ، وسیتلاقى كلهم في هذا الفضاء . فما علینا إلا أن نتأخر عن موكب القصر غدا متظاهرتین بفتور
وانحطاط جسمي یمنعنا من الخروج ، حتى إذا خلا القصر خرجنا متنكرتین في لباس الرجال وهیآتهم ، ثم
نندس في صفوفهم ولا شك أنهم سیحسبوننا من شباب القصر وغلمانه . وأكبر الظن أننا سننجح في الفكرة ،
وسیتاح لكل منا أن تجد من بین مختلف شباب هذه الجزیرة الواسعة الأطراف من یروقها ویعجبها ’’ ..
ولم تكد زین تعرض الفكرة على أختها حتى أعجبت بها ، وسرعان ما اتفقتا على تطبیقها في الصباح الباكر.
ثم أخذتا تتحدثان عن وسائل تنفیذ الفكرة وعما یجب اتخاذه حیال ذلك من تدابیر .. غیر أنهما اضطرتا أخیرا
إلى قطع الحدیث عندما تنبهتا إلى أن الشمس قد توارت في غیبها منذ فینة ، وإلى أن الظلام الذي امتد على
سطح الجزیرة وتكاثف فوق بیوتها التي راحت تختفي عن الأعین مخلفة آثارها من الأضواء المتفرقة التي
تشع هنا وهناك . وخشیتا أن یحوم حول مجلسهما ذاك من یسمع شیئا من حدیثهما الذي ینبغي أن یكون سرا لا
یطلع علیه أحد ، فطوتا الحدیث ، وغادرتا الشرفة ، وأخذتا تتدرجان في الممشى الفسیح الذي یؤدي إلى البهو
.
وهناك رأتا بعض غلمان القصر فسألتاه : ‘‘ أخرج الأمیر من الدیوان أم لا.. ؟؟’’ فأجابهما بأنه لا یزال في
الدیوان مع بعض رجاله ، یتحدثون عما یختص برحلة الصید التي عقد علیها العزم مع بعض أصفیائة في
صباح الغد . ثم حیاهما بانحناءة وانصرف.
فسرهما هذا النبأ … إذ كان ذلك من جملة الأسباب التي ستیسر لهما النجاح في تنفیذ الفكرة التي اتفقتا علیها
.. تلك الفكرة التي لم تكن سوى أثر لما تتمتعان به من الجمال النادر ، إذ كانتا تتصوران أنه لا یكافئهما إلا من
كان في مثل ذلك الجمال أو نحوه . ولذلك فقد كانتا تتمنعان على كثیر من الراغبین فیهما والطامعین بهما ،
انتظارا للفتى المناسب….
ثم إنهما تبادلتا التحیة .. وإنصرفت كل منهما إلى مقصورتها الخاصة ، على أن موعدهما الصباح…
وفي صباح الیوم التالي أشرقت شمس بوطان على أسواق خالیة ، ومیادین خاویة . . فقد خرج جمیع من فیها
یستجلون العید الذي أقبل یحییهم من فوق مسارح الطبیعة الغناء التي انتشت وازدهرت من جدید بعد أن ظلت
منكمشة متواریة شهورا عدیدة تحت أعاصیر الشتاء وركام الثلوج.
كان الناس كلهم ینتشرون بین أجواء خمریة ساحرة ، تتهادى على ضفاف النهر الفضي .. وفوق الروابي
الخضر ..المطرزة بأبدع نقوش الزهور ، وفوق سفوح ‘‘ جودي ’’ المفروشة بأبهى دیباجة من السندس
المتألق.
وكنت تنظر إلیهم فتمتد بهم العین في الجهات الأربع ، ثم لا تكاد تبلغ النهایة . تراهم خلیطا متضاربا من شتى
الطبقات والأشكال والاتجاهات ، قد امتزج فیهم الغني والفقیر ، وتحاذى الصغیر والكبر وتلاقى المثقف
والجاهل . فیهم العاشق الذي جاء لیغمر جراح قلبه بكؤوس من خمر النسیان .. وفیهم الشاعر الذي أطرق
خاشعا یرنو إلى الفتنة الحالمة ، یستوحي منها آیات الإلهام ، وفیهم الفیلسوف الذي أسرته الحیرة وملكه
الذهول ، فهوى ساجدا لخالق هذا السحر والجمال!!…
ولا بدع .. فالطبیعة أمهم جمیعا من دون تفریق ، تحنو علیهم حنوا واحدا وتبتسم لهم ابتسامة واحدة ،
وتسقیهم حمیاها من كأس لا تختلف . فلهم جمیعا أن یثملوا الیوم برحیقها ویرقصوا في أحضانها ، وأن یجد
كل في سرها دواء قلبه ، وعلى كل مظاهر الجمال الزائف وأشكاله المصطنعة أن تنتبذ عنهم إلى مكان قصي ..
فالخمر هنا لیس إلا ما اعتصر من شذاها ، والجمال لیس إلا ما انعكس من بهائها…
ولكن أمرا واحدا غیر هذا استطاع أن یلفت عقول الناس في ذلك الیوم في حیرة بالغة ، فقد كان في ذلك الجمع
شابان لو أن تلك الطبیعة الخلابة استجمعت كل فتنها وسحرها ثم أرادت أن تقذف بجمیع ذلك إلى الدنیا في
مظهر شابین فیهما كل تلك الفتنة وذلك السحر لما استطاعت أن تجود بأبدع منها وأجمل!!..
كانا یثیران عواصف الدهشة لدى كل من یلمحهما مما آتاهما االله من ذلك الجمال الغریب ..!! وكان لا یمر أحد
من أولئك الحشد إلا وقفة الذهول فترة .. كأنما یتسائل : من عسى أن یكون هذان الشابان اللذان لا یبدو فیهما
شیئ من كثافة الدنیا ..؟؟ ألعلهما ملكان نزلا من سمائهما للمشاركة في هذا العید ؟ !! أم هما توأمان لهذه
الطبیعة الخلابة .. جسدتهما في مظهر هذین الشابین هدیة إلینا وشكرا لاحتفائنا بها ..؟!!
ولقد كان لهم في الواقع أن یعجبوا كل ذلك .. فإن ذینك الشابین لم یكونا سوى الأمیرتین ستي وزین ..! خرجتا
تشتركان في ذلك الإحتفال بعد أن تنكرتا في لباس الرجال وأشكالهم ، لیسهل علیهما استعراض ذلك الجمع
الحاشد الذي قد تجد فیه كل منهما فتى أحلامها ، والشاب الملائم لجمالها.
بید أن الأمیرتین اللتین سحرتا الألباب لم تستطیعان العثور في ذلك الیوم على أي شاب بین ذلك الجمع الغفیر
یسحر لبهما ویحوز إعجابهما ..!! إذ كانتا تنظران إلى معنى الجمال بمقیاسهما الخاص ، وتقدرناه بالنظر
للمعجزة التي اختصهما الخلاق بها ! وأنى للمعجزة الخارقة أن تظهر هنا وهناك ؟ وكیف یتأنى للمثل الأعلى
أن یتخذ مظهره في أفراد عدیدة .. كأي شيء آخر غیر معجز أو غریب ..؟!
وهكذا ظل الناس بیاض نهارهم ذاك یلهون ویمرحون على شطآن الأنهار وبین الورود والأزهار ، وفوق الآكام
والتلال وتحت ظلال الأشجار ، إلى أن هب النهار لیدبر ، وأخذت أشعة الشمس تتقلص نحو المغیب ، وظهرت
ظلال الروابي والأشجار شاحبة متطاولة بین الحشائش والأزهار ، وأخذت الشمس ترنو إلیهم من فوق
منحدرها صفراء ذاویة ، تحییهم تحیة الوداع وتوقظهم من غمزة الخیال الحالم إلى مواجهة الحقیقة .. الحقیقة
التي تطبع كل شيء بطابع الزوال والفناء ، وتحرمه من عظمة الخلود والبقاء.
ومع تلك التحیة التي راحت الشمس تلوح إلیهم بها قام الناس جمیعا منصرفین إلى دورهم.
وعند الرجوع حیث كانت الطرق والشعاب تهدر بتلك الجموع من الرجال والنساء والولدان ، عائدین إلى
بیوتهم ، وقد انحازت الأمیرتان في سیرهما إلى طریق بعیدة قلیلا عن زحام أولئك النساء اللواتي امتزجن مع
الرجال في ذلك الطریق ، حدث امر غریب!!!…
فقد انتبهت الأمیرتان إلى أن فتاتین من بین ذلك الحشد تقبلان نحوهما في خطى متعثرة ووجهین مشدوهین ..!
فأحرجتا .. ولك تشكا في أنهما فتاتین قد عرفتنا وألمتا بأمرهما.
ولكن الفتاتین ما إن دنتا منهما حتى أصابهما ما یشبه الدوار ، وظلتا تتقدمان إلیهما ، ثم وقفتا أمامهما ،
وشخصت عیناهما في شكلیهما ، ثم أخذت تترنح من كل منهما القامة … ثم سقطت كل منهما على الأرض
الواحدة تلو الأخرى ، في غیبویة كاملة عن الدنیا وما فیها!..
أما الأمیرتان فقد انتابهما ذهول شدید لذلك وتعلقتا بمعرفة تینك الجاریتین ومن عسى تكونان .. ومن أي طبقة
هما ..؟ ولكنهما خشیتا لأن تقفا قلیلا إلى جانبهما للوقوف على سرهما ، فیلفت ذلك نظر الناس الذین یمرون
على مقربة منهما ویجتمعوا علیهم .. فتظاهرتا بعد الانتباه إلى شيء غیر طبیعي وأخذتا تواصلان سیرهما غیر
مكترثتین .. حتى إذا ابتعد الناس عن مكان الجاریتین وأدركتا أن الجموع قد تجاوزتهما عادتا أدراجهما خلسة
إلى مصرعهما وقد داخلتهما رحمة وشفقة شدیدة علیهما.
ووصلتا إلى مكانهما .. وهما لا تزالان في غشیتهما تلك ، فجلستا إلى جانبهما تسرحان النظر في ملامحهما ،
وتمعنان في شكل كل منهما وهیئتهما التي قد تكشف لهما الستار عن شخصیتهما ولعلهما تذكران أتعرفانهما أم
لا ؟ .. ولكنهما لم تعرفا عنهما شیئا ، ولم تستطع إحداهما أن تتذكر أنها كانت رأتهما أو رأت واحدة منهما في
یوم ما في أي مكان!.
كانت على وجه كل منهما مسحة رائعة من الجمال مشوب بسیما الجلال ومعنى العزة . مما یدل على أنهما
تتمتعان بمكانة ذات سمو ..! وكانت ثیابهما متشابهة في طرازها وشكلها ، مما یدل على أنهما شقیقتان أو
قریبتان .. أما أناقة ذلك الهندام وبداعة وشیه وطرزه فقد كانت تدل دلالة واضحة على مبلغ النعمة التي تتقلبان
فیها!!..
وأخذت الأمیرتان ترنوان الیهما بعین من الأسى والإشفاق ، وهما مطروحتان فوق تلك الأرض ، وقد غمر كل
منهما الإحساس في بحر لجي من الذهول المطبق . ولیس من حركة فیهما إلا تنفس الصعداء الذي یمر في
صدرهما جیئة وذهابا . وراح ذلك الإشفاق یستحیل تدریجا بقدرة خالق الأرواح إلى حب غریب غیر مفهوم!!.
وأخذت نظراتهما وهما جالستان إلى جانبهما في تلك البیداء تتسائل في عجب : أي روض ترى إخضر فیه
هذان الغصنان ؟ وفي أي خمیلة تفتحت هاتان الوردتان .!؟ أم أي الجداول والغدران أكسبتهما سحرها ؟!!
ولم یطل جلوسهما .. فقد لمحتا على البعد فرسانا تجري بهم الخیول في بعض تلك الشعاب باتجاه المدینة .
فأدركتا أنهم الأمیر وصحبه عائدین من الصید ، وتذكرتا أن من الأنسب عودتهما إلى القصر قبل وصول الأمیر
. فنهضتا تودعان الجاریتین اللتین لم تزالا في غیبة عن رشدهما ، بعد أن عمدت كل منهما إلى الخاتم النادر
الثمین الذي یتلألأ في أصبعهما ، والذي نقشت علیه بوشي دقیق رائع من حجارة الماس والیاقوت اسم
صاحبته فألبسته إصبع كل من الجاریتین ، واستبدلتا به خاتمین بسیطین كانتا في ید كل منهما ، لینوب ذلك
عنهما في التعبیر عن تقدیرهما والعطف علیهما ، ثم لیكون وسیلة لهما فیما بعد إلى معرفتهما والإهتداء إلى
أصلهما . وهكذا مضت الأمیرتان بعد أن استعاضتا عن الدر والألماس النادرین خرزا وزجاجا بسیطین
*عید الربیع الذي أشار الیه الخاني ھنا ھو عید نوروز .. يحتفل به الأكراد والفرس في الحادي والعشرين
من آذار من كل سنة … يحتفل به أبناء الشعب الكردي بالخروج إلى الطبیعة متزينین بالحلى الفلكلورية
…يعقدون حلقات الرقص والدبكات .. ويشعلون النار التي ترمز إلى النار التي أشعلھا ( كاوا الحداد ) قبل
آلاف السنین معلنا نھاية الظلم والإستبداد .. رمزا للنصر والتحرر.

ممو زين – سر الجاريتین

لم تكن الجاریتان اللتان كان من أمرهما ما حدث من الصدمة والذهول امرأتان كما تبدوان ..! وإنما كانا شابین
بارزین من رجال دیوان الأمیر ! كان أحدهما ابن الوزیر الأول اسمه ( تاج الدین ) ، وواحدا من أشقاء ثلاثة
عرفوا من بین سائر الحاشیة بالنجدة والشجاعة الخارقة ، واقترنت أسماؤهم في أنحاء الجزیر كلها بالهیبة
والإجلال ، وكان للأمیر اعتماد بالغ علیهم في كثیر من ظروفه الخاصة والمناسبات . وكان اسم أحد شقیقي هذا
الشاب ( عارف ) والثاني ( جكو. (
وأما الآخر فكان أحد سكرتیریة الدیوان یقال له ( ممو ) وكان الصفي الوحید لتاج الدین من بین شقیقیه وسائر
أصحابه ، قد جعل االله بینهما من المودة والإخاء ما یندر اتفاق مثله بین أي أخوین أو صدیقین . ولعل الذي
جمعهما على ذلك التحابب والإخاء ما عرفا به من تعلقهما الشدید للجمال . فقد كانا مولهین به ولها عجیبا في
كل صوره ومظاهره ، وكان یبلغ بهما التأثر بحقیقته مبلغا فوق ما هو معتاد أو طبیعي ، كما كانا في شوق
شدید إلى أن یلمحا ولو مرة في العمر هاتین الأمیرتین اللتین ذاع جمالهما في معظم جهات كردستان وبقاعها.
وقد كان هذا هو الذي دعاهما في ذلك الیوم إلى التنكر في لباس النساء وهیأتهن والظهور بمظهرهن ، فاستبدل
كل منهما عن حلته بغلالة حریریة من أفخر أنواع الإستبرق ، وتمنطق في وسطه بمنطقة مزركشة من أفخر ما
تحویه الغانیات الفاتنات . كما لف كل منهما على رأسه معجزا رائعا تتدلى من سائر حواشیه خیوطه الحریریة
الناعمة ، وحبكه فوق جبینه حبكا فاتنا على نحو ما تفعله فتیات الأكراد ، وترك خصلا من شعره الطویل تبرز
من فوق الصدغین ، كأنهما سالفان رائعان یظهران من تحت ذلك المعجز البدیع . ثم انطلقا یستعرضان الجمال
في كلا مظهریه ، مظهر الطبیعة الحالمة والمروج البدیعة ، ومظهر الوجوه الفاتنة واللحاظ الساحرة ، وكان
أكبره همهما هو استجلاء جمال تینك الأمیرتین اللتین سحرتا الجزیرة باسمیهما ، وما زالا منذ أمد بعید
یترقبان الفرص السانحة لرؤیتهما.
وفي أثناء رجوعهما مع الناس كانا قد انتشیا بروح الجمال وثمل عقل كل منهما بخمره ، فكان لرؤیتهما في
تلك الساعة فعل الطعنة القاضیة التي صدعت قلبیهما . ولم یكن ذلك كله لیفقدهما الرشد والإدراك لولا أن
حقیقة روحانیة أجلَّ من ذلك ساورتهما وطغت على مشاعرهما . كانت تلك الحقیقة هي الحب .. الحب الروحاني
الخالص الذي یتسامى على الإعتبارات الجسدیة ، وتعالى فوق حقیقة الجنسیة من ذكورة وأنوثة . فقد مس كل
من كلیهما سویداء قلبه ، وانطلق تیاره الخفاق منبعثأ في كل مداخل الروح الأخرى التي كانت تعلقت بها منذ
الأزل ، ثم ضلت عنه في منحدرهما إلى خضم هذا العالم المتلاطم ، حیث طفقت تبحث عنهما بین صور الطبیعة
والأزهار . وتصغي إلى صوتها في غناء العنادل والأطیار ، وتفتش عن مظهرها في الوجوه والأشكال ، إلى أن
التقت بها الیوم بعد الشوق المستعر والفراق الطویل . فلا غرابة أن تذهل الروح في تلك الساعة عن جسمها ،
ولا عجب حینئذ للعین أن تشخص وللعقل أن یتبدد وللإحساس أن یغیض . ولا غرابة أن یتغلب الحب .. فیصرع
ذینك الفارسین ویطرحهما كفراشة بین أذیال اللهب.
وبعد هزیع طویل مضى من تلك اللیلة ، استطاع الجسم أن یلفت إلیه روحه ویستعیدها مرة أخرى ، كما
استطاع العقل أن یستیقظ ویؤوب إلى رشده.
واستیقظ ممو وتاج الدین من غیبوبتهما لیجد كل منهما نفسه منطرحا بین تلافیف لیل أسود مظلم قد توارت
من سمائه النجوم ، في فلاة خاشعة لا تجوب على أرضها قدم ، ولا یرفرف في سمائها جناح . وقد أطبق
علیهما جوٌّ من النسیان والذهول ، فهما لا یذكران شیئا مما حدث لهما ، ولا یعلمان ما الذي طرحهما في تلك
الأرض وما السبب في بقائهما هناك . غایة ما استطاع كل منهما أن یشعر به في نفسه خفقان غریب في القلب
، وانهیار تام في الأعصاب وفتور عام في القوى ، وخبل شدید في الذاكرة!!..
وبعد قلیل نهضا في جهد ملموح وإرهاق واضح لیأخذ سمت طریقهما إلى المدینة حیث استطاعا أن یصلا إلى
داخل العمران بعد تحامل شدید وإعیاء . وهناك حیا كل منهما الآخر وانصرف إلى بیته.
ومضى یوم .. و یومان … وما یقارب الإسبوع ..وكل من ممو وتاج الدین یقاسي آلاما غامضة تشتد ولا تلین
!! وتزداد ولا تقل ، ویعاني شعوراً غریباَ لا یدرى سببه ولا یدرك تفسیره . وأخذ إحساس كل منهما بمظاهر
الأشیاء وصور الناس یختلف عن الأول اختلافا بادیا ! فقد أصبح كل منهما یشعر بالوحشة من كل شيء ،
ویحس بالملل من سائر ما كان یألفه . وكأنما كانت روح كل منهما تبحث في أعماق نفسه عن شيء عزیز
افتقده ، وعن حقیقة سامیه لاحت لها ثم ضلت عنها ، ولكن ما هو ذلك الشيء ؟ ومتى أحس به حتى یشعر
بأنه افتقده ؟ كل ذلك كان سرا غامضا عنهما ، یحومان حوله ولا یستطیعان اختراقه . وكانت غرابة ذلك
الشعور وغموض تلك الأحاسیس یجعلان كلاً منهما متحفظا عن الإفضاء بذلك إلى صاحبه ، ویشعره بحرج من
بیانه وإیضاحه له ، إذ قد یذهب حدیثه الغامض مذاهب كثیرة بصاحبه لتفسیره وكشفه…
غیر أن تلك الآلام والمشاعر المرهقة .. ما لبثت أن اتخذت مظهرها في صورة كل منهما وأوضاعه . فقد أخذ
یبدو ذلك جلیا في ذبول شكلهما وفتور نشاطهما وكثرة تفكیرهما . مما یسر لكل منهما أخیرا سبیل الإفضاء
بأمره وعرض شكواه وأوجاعه على الآخر ولكن دون أن یفیدهما ذلك في استجلاء شيء من الحقیقة أو فهم
سرها المكنون ، اللهم إلا ما یتبادلانه من المواساة ، وما یشعران به من الأنس ولو كان مجهولا مصدرها.
وبینما كانا ذات یوم مجتمعین في بعض خلواتهما ، إذ لمح تاج الدین في ید ممو خاتما من الجوهر النادر یتألق
في إصبعه ، فأمعن النظر فیه قلیلا ، ثم قال:
‘‘لقد كان علي أن أبارك لك هذا الخاتم البدیع ، ولكني لم ألمحه في یدك قبل الیوم ، فمتى استحدثته ؟’’
فنظر ممو في أصابیع یدیه ، وهو لا یدري شیئا عما یقوله تاج الدین ، لیجد في مكان خاتمه قطعة من الجوهر
الثمین لم یكن قط شعر بها من قبل ! وسرعان ما عمد إلیها فأخرجها من إصبعه وقد استولت علیه دهشة بالغة
، ثم أخذا یمعنان فیه باستغراب وتعجب . وفي تلك الأثناء انتبها إلى اسم ‘‘ زین ’’ منقوشا علیه بأجمل وشي
متألق من حجارة الماس والیاقوت ، وقبل أن یبدي ممو عجبه لذلك الخاتم الذي لا یدري عنه أي شيء لاحظ
بوحي الحالة خاتما تماما في إصبع تاج الدین ..! وقد نقش علیه بمثل ذلك الوشي والطراز اسم ‘‘ ستي. ’’
وغشیتهما الحیرة من جدید ، وازداد علیهما السر غموضا وأخذا یرددان في دهشة بالغة هذین الاسمین ‘‘ زین
’’ و ‘‘ ستي ’’ ، ولكن دون أن یتزكر أحد منهما من هما ستي وزین!!…
وهنا رفع رأسه إلى ممو ، ونظر إلیه كالمحموم قائلا:
‘‘ویحك إنهما خاتما الأمیرتین … أمیرتي الجزیرة … شقیقتي الأمیر زین الدین’’…
وعاد كل منهما یحملق في الخاتم الذي بیده مرة أخرى ، ویمعن في نقشه وتألقه الرائع مما أكد لهما أن
صاحبتیه لیستا سوى أختي الأمیر .! ومن بین ذلك البریق المتألق أخذ سرهما الذي كان غامضا یجلو ویبین ،
وذهبت ذاكرة كلم نهما تعود أدراجها إلى الماضي …. الماضي الذي كان غیبا عنهما إلى تلك اللحظة.
لقد تذكرا أنهما في یوم النوروز حاولا رؤیة هاتین الأمیرتین ، ولكنهما لم یریا واحدة منهما بین الوجوه
والأشكال . ثم تذكرا ساعة العودة .. وتذكرا أنهما لمحا في تلك الأثناء شابین لا كالشباب .. كانا في غایة
الروعة والجمال .. وأنهما قد دنیا منهما لیعرفا من یكونان … و … إلى هناك توقفت الذاكرة بهما ! غیر أنهما
لم یشكا في أن شيء غیر طبیعي قد حدث لهما إذ ذاك بسبب ذینك الشابین ، وأن الغشیة التي حبستهما في
الفلاة تلك اللیلة كانت من أثر ذلك الحادث ، ولا بد أن هذین الخاتمین قد وجدا لدیهما منذ تلك اللیلة . وأخیرا
استطاعا أن یتأكدا من أن ذینك الشابین لم یكونا سوى الأمیرتین اللتین كانا یبحثان عنهما ، وأنه قد قام لدیهما
أیضا ما كان قد قام في ذهنیهما من فكرة التنكر … وإخفاء الحقیقة … أما الخاتمان فلم یشكا في أنهما إنما
تركتاهما في یدیهما واستبدلتا بهما ما كان معهما لشعور جمیل على الأقل بادلتاهما به.
وبارتفاع الستار الذي كان حائلا دون فهمهما لتلك الآلام والاحساسات التي كانت تساورهما ، شعر كل منهما
براحة وانطلاقة هدأتا من حالیهما . غیر أن ذلك الشعور ما لبث أن أوجد في نفس كل منهما تأثیرا مختلفا عن
الآخر . أما تاج الدین فقد استطاع أن یتغلب بذلك على آلامه ، وأن ینشط ولو إلى حد من ذلك الارهاق الذي كان
یعانیه . وكأنما كان معظم آلامه تلك آتیه من تعمي الأمر وغموضه علیه . وأما ممو فإن انقشاع الحقیقة
بالنسبة إلیه ما لبث أن أضرم جذوة ناره وزاد في دقات قلبه ، وكأنما كانت روحه قبل ذلك تائهة عن الطریق
الذي اهتدت إلیه ، ضالة عن الذات التي شغفت بها . أما الیوم وقد إتضح كل شيء ، وظهر انسان تلك الروح ،
فهیهات منها الهدوء ما دامت بعیدة عنه ، وهیهات أن لا تثور وتضطرب إلا بعد أن تلقاه وتركن إلیه.
وشعر تاج الدین بمعاني الأسى بادیة في مظهر ممو فنهض الیه ، وألقى بیده على كتفه قائلاً:
‘‘إسمع یا صدیقي : إن من الامعان في الخطأ أن نسلم أنفسنا إلى اضطرابات من هذا النوع ، فلن تكون
النتیجة بعد ذلك سوى استفحال تأثیرها واشتداد وطأتها . ولا ریب أن ذلك لیس مناسبا لمثلي ومثلك … فكلانا
في هذا البلد معروف بالجلد والإقدام وكل منا تعرفه هذه الجزیرة بالبطولة والعزم والبأس ، فماذا عسى أن
یكون أثر هذا الذي نعانیه في سمعتنا إذا عرف ذلك غداً بین الناس ؟؟ وماذا سیلحق بنا إذا تسامع الناس
بحدیثنا … وكیف أننا ونحن أولو العزیمة والشجاعة والبأس قد تخاذلت عزیمتنا وانهرات شجاعتنا وتبدد بأسنا
بسلاح امرأتین وقوتهما فقط.. ؟؟ فلینهض كل منا من فراش هذا الفتور ، ولنمط عنا رداء التوجع الوهمي الذي
إنما أسبلناه نحن على نفسنا ولنتذكر أننا أشداء … وأنه لا یمكن للوهن أن یتخذ طریقه إلى نفوسنا’’..
ولكن ممو لم یكن یبدو علیه أنه یعي شیئا مما یقوله تاج الدین ، فقد كان واضحا أنه كان یقاسي آلاما عنیفة
جلیة في خفقات قلبه الظاهرة وعینیه المخضلتین . كان الاسم الوحید الذي یردده هو ‘‘زین ’’ ،وكان الشيء
الوحید المنتبه إلیه هو الخاتم الذي في یده . فقد كان مرة یحملق فیه ، وأخرى یقبله ویظل ضاماً علیه شفتیه .
وأخیراً نظر إلى تاج الدین وقال له:
‘‘أخي : إن هذا الذي تحدثه الآن لیس ذلك الذي عرفته ، إنما هو الیوم انسان آخر ، فلا تبحث فيَّ عن شيء
مما تسمیه البأس والجلد والعزم . فقد واالله فقدت كل ذلك ، ولیس الذي تراه الآن إلا جسما متهلهلا قد عشش
الألم في كل نقطة منه . وقلبا متأجاجاً تتقد فیه نار لا تعرف هولها ، أما الراحة والطاقة والجلد والصبر ، فقد
انتهت علاقة كل ذلك من سائر جوارحي وجسمي فدعني على الأقل أستقبل قدري إن لم تكن تشعر بالمعذرة لي
..‘‘
ولم یكد تاج الدین یسمع هذه الكلمات من ممو حتى أیقن أن الأمر قد تجاوز به إلى حالة لا تغني فیها النصیحة
والإرشاد ، وامتزجت في سائر مشاعره رقة شدیدة من أجله لم یستطع حیالها إلا أن یعتصم بالسكوت.

ممو زين – عجوز القصر

ولنترك الآن حدیث ممو وتاج الدین لنعود إلى القصر ونعلم ما الذي كن من أمر ستي وزین ، فلقد رجعتا في
تلك اللیلة أدراجهما إلى القصر ، واستطاعتا دخوله دون أن ینتبه أحد إلى حقیقتیهما . ودون أن یرتاب أحد من
الحجاب في أنهما من بعض الغلمان الحسان في القصر.
وما إن تجردت كل منهما من ذلك المظهر الذي تنكرتا فیه وجلستا تستریحان من النصب الذي لحقهما في ذلك
الیوم حتى أخذت كل منهما تشعر بقلق واضطراب واضحین في نفسهما ، ولم تكن إحداهما تعرف شیئا عن سر
ذلك القلق أكثر من أن له اتصالاً بتینك الجاریتین اللتین حدث لهما ذلك الشأن العجیب . فقد كان منظرهما ،
وهما على تلك الحالة من الذهول وعلى وجهیهما تلك المسحة من الجمال المشوب بسما الوقار – ملازما
لخلدهما . وكانت تتضافر على ذلك عدة عوامل ، بعضها غرابة ذلك الحادث الذي أصابهما ، وبعضها التطلع
إلى معرفة حقیقتیهما ومن تكونان من الناس ، وبعضها ذلك الشعور الغریب الذي أخذ یساروهما نحو تینك
الجاریتین المجهولتین من حنان وإعجاب بل وحب آخ في الزیادة والإشتداد رغم أنهما امرأتان مثلهما على ما
تظنان وتحسبان.
وهكذا أخذ التفكیر في الجاریتین یستولي تدریجیا على خیال كل منهما ، وبدأت تلك الأحاسیس تسیطر على
قلبیهما ، فلم تكونا توجدان إلا مختلیتین في بعض غرف القصر أو جهاته تتهامسان في هذا الشأن وتتبادلان
إفضاء خلجاتهما النفسیة حول ذلك.
غیر أنه لم یستطع أحد من سكان القصر رغم ذلك ملاحظة حالهما تلك سوى مربیة عجوز لهما یقال لها (
هیلانة ) . كانت هرمة مسنة ، غیر أنها أقوى من الدهر في مكره ، وكانت متغضنة الملامح باهتة الشكل إلا أن
ذكائها كان فتیا یلتهب . فقد أخذت هذه العجوز تلاحظ أن حالة طارئة تطوف بهما منذ الیوم الذي خرج فیه
الناس إلى مهرجان نوروز ، ومضت تراقب فیهما تطورات تلك الحالة التي لك تلبث أن اتخذت مظهرهما في
كثیر من أوضاعهما وأحوالهما!
وفي صبح ذات الیوم استأذنت علیهما فوجدتهما مطرقتین ذاهلتین ، وقد أخذ التفكیر منهما كل مأخذ ، وتجلت
مظاهر الحیرة والأسى على وجه كل منهما ، فدنت إلیهما ، وجثت على مقربة منهما ، ثم قال:
‘‘بروحي یا أمیرتيَّ الصغیریتین فدیتكما ، وجعلت االله ربي حافظا لكما ، فأنتما انسان كل عین ، وحبة الشوق
لكل فؤاد . یخیل إلي أن هذا القصر قد كمد بعض بریقه وتوارى من أنحائه الكثیر من أنسه منذ الیوم الذي
خرجتما فیه لمهرجان الربیع ثم عدتما بما تحملان من هذا الإطراق والتفكیر والذبول .!! فهل لي أن أسأل عن
السر الذي طواه مقدمكما ، أو عن الخمرة التي تسببت كل هذا في ذهولكما ؟ فقد أستطیع معونتكما في شيء إذا
كان مستعصیا ، أو استخدام تدبیري وسحري إن كان خافیاً.’’
فنظرت كل من ستي وزین الواحدة منهما إلى الأخرى ، كأنما تتشاوران في إفضاء الأمر إلیه . ثم قال إحداهما:
‘‘إن كل ما حدث لنا أننا أصبنا – على ما یبدو – منذ ذلك الیوم بضیق وكرب لا ندري لهما سببا ، ویبدو أن
شیئا بسیطا من أثر ذلك لا یزال یساورنا’’ ..
فأدركت هیلانة أنهما تحاولان كتم الأمر عنها . ودعاها ذلك الإدراك إلى ظن أن یكون الأمر حبا أو غراما
انعقدت نواته لدیهما في ذلك الیوم . إذ كثیرا ما یحدث فیه أن یتصادف الشباب والفتیات وتتبادل الألحاظ مظاهر
الفتنة والجمال ، ویحصل التعارف والتعلق … فدنت منهما ، ثم أخذت تقول لهما:
‘‘یبدو أنكما یا أمیرتيَّ لا تعلمان بعد مبلغ ما آتاكما االله من سحر وجمال ، وأنكما تجلسان منه على عرش عز
على الدنیا كلها أن تجد لكما فیه نظیرا ، وإلا لأدركتما أن كل جمال في هذه الجزیرة خاشع منحن أمامكما حتى
تثیرا الحیرة من أجله وتذكیا نار القلب من ورائه ؟ وهلا أخبرتماني عنه حتى تعرفا كیف یأتي أسیرا في قیود
الهوى ، ذلیلا تحت سلطان هذا السحر ؟. ’’ !!
فأجابتها ستي:
‘‘لیس هذا الذي تظنین أیتها الخالة هو السبب في حیرتنا … إنما السبب في ذلك شيء آخر … كنا نود أن
نستطیع إیضاحه والإبانة عنه حتى تعالجیه لنا بدهائك وتدبریك . ولكنه لغز … لغز مقفل من كل جوانبه لا نفهم
شیئا عنه . كل ما نستطیع بیانه هو أن نقول لك القصة التي جرت … والأمر الذي رأیناه’’…
وهنا تبسطت العجوز في جلستها ، ومدت وجهها نحو ستي بعد أن أسندت أسفله إلى كفها قائلة:
‘‘حدثیني یا ابنتي عن القصة .. فلا بد لي إن شاء االله من كشف سرها وحل لغزها ’’..
ومضت تحدثها ستي القصة قائلة:
‘‘بینما كنا نمشي في ذلك الیوم … یوم الربیع بین المروج والریاض ، إذ فاجأتنا غادتین لم نر مثلهما لطفا
وجمالا تقبلان نحونا في لهفة بادیة وبخط متعثرة . حتى إذ أصبحتا على مقربة منا إذا بعاصف من الذهول
الشدید یعصف بهما ویطرحهما في جانب من تلك الارض … ودنونا إلیهما لننظر في شكلیهما ونستكشف
شخصیهما ، ولكننا لم نستطع أن نفهم عنهما شیئا ، فقد كانتا تبدوان غریبتین في زیهما وملامحهما.
ووقفنا فترة أمام منظرهما وهما في تلك الغیبوبة وقد سرى تأثیر شدید منه إلى نفس كل منا ، وشعرنا بروحین
سرعان ما طافتا حول قلبینا ثم استقرتا في سویدائه … فإذا بهما یخفقان بمعان كثیرة من بعضها الحنان
والحب.
كانتا تبدوان أیتها الخالة كأبدع كآسین صافیین ، وإن كنا نحن الخمر التي تترقرق فیهما ، بل كانتا كأجمل
مصباحین مضیئین وإن كنا نحن النور المتوقد من ذبالتهما . بل كانت في شكل أزهى مرآتین وضیئتین ، وإن
كنا نحن الشمسین اللتین تشعان منهما.
ثم تركناهما أیتها الخالة على تلك الحالة ومضینا … دون أن نعلم ما الذي تم بشأنهما . بل لم ندر أكان ذلك
حقیقة أم رأته أعیننا ، أم حلما من أحلام تلك الطبیعة صورتها لنا خمرها ؟.’’ !!
فأطرقت العجوز برأسها تحملق في الأرض وقد أدهشها ما سمعت ، ثم نظرت إلیهما وقالت:
‘‘بل أظن یا أمیریتي الصغیرة أن ذلك كما قلت حلما من أحلام الطبیعة .. أما أنه كان حقیقة رأتها عیناكما ،
وأما أنه یقینا قد تعلق قلباكما من كل ذلك الجمع الحاشد من الشباب والفتیان بتینك الجاریتین المجهولتین .
فذلك أمر مستحیل أو لعله واقع كما تقولین ، ولكنكما تمنیتما مثل تینك الجاریتین أطفالا لكما . لا أنكما شغفتما
بهما حبا من دون الرجال.
من الذي – یا بنیتي – یصدق أن المرأة یتم جمالها إلا إذا كان الرجل هو مرآة ذلك الجمال ، ومن الذي یصدق أن
الرجل یمكن أن یكون لجماله معنى لو لم تأت المرأة لتضع فیه ذلك المعنى ؟ وهل أثبت جمال لیلى وفتنة حسنها
لو لم ینعكس إلیها تاج ‘‘ خاسرو ’’ وسلطانه !! وهل سمع أحد في الناس أن زهرة قد افتتنت بالزهر أو أن
بلبلا غنى فوق أعشاش البلابل ؟؟!
لا یا أمیرتيَّ الفاتنتین ، لیس هذا الذي تقولانه إلا وهما من الخیال أو حلما من الأحلام . فلا تدعا للوهم والأحلام
مجالا إلى قلبیكما.’’…
فابتدرتها زین قائلة:
‘‘ولكنك قلت لنا أن لدیك من التدبیر والعزائم والدهاء ما تستطیعین الكشف به عن كل لغز وخافیة . فهلا
استعملت شیئا من ذلك في حل هذا اللغز .. أم یبدو أن عزائمك قد خرفت وتقدم بها السن ، فلم تعد تصلح لشيء
.
أما أن حدیثنا هذا خیال أو وهم فلیس كذلك ، وما هو واالله إلا الحقیقة التي شاهدناهما بأعیننا ، ولقد دخل حب
تینك الجاریتین في قرارة قلب كل منا . وسواء أكانتا في الحقیقة ملكین أو شیطانین أو امرأتین ، فإن عندنا
منهما هذا البرهان الذي یؤكد أن ما رأیناه حقیقة لا خیال ، وهو هذان الخاتمان اللذان سللناهما حینذاك من
إصبعیهما لیكونا عونا لنا في البحث عنهما. ’’
وعمدت إلى الخاتمین فألقت بهما إلیها.
فتلقفتهما العجوز ، ومضت تحملق فیهما وتقلبهما وتمعن في شكلیهما ، ثم هزت رأسها وقال:
‘‘أما الآن فأستطیع أن أفهم شیئا مما تقولان ، وأستطیع أن أقول لكما إني عثرت على خیوط هذا السر الذي لا
بد لي من كشف قناعه . ولكن لا بد لذلك لي من مهلة ، ولا بد أیضا من بقاء هذین الخاتمین لدي..’’
فأجابتاها إلى ذلك بشرط أن تحافظ علیهما محافظة شدیدة ، وأن تكتم الموضوع كتمانا تاما عن كل واحد.
ثم إنها قامت عن مجلسهما بعد أن نفحتاها قسطا كبیرا من المال ، ووعدتاها بالمزید عند نجاحها في المهمة.
وإن هو إلا أمد قصیر حتى كانت العجوز قد أوصلت نفسها إلى شیخ هرم في بعض أجزاء الجزیرة أمضى حیاته
كلها في علوم الحرف وحسابه ، حیث نقدته دینارا ، ثم جلست إلیه تقول:
‘‘لي طفلان یتیمان أیها الشیخ هما سائر ما بقي لي من أمل في الحیاة خرجا مع هؤلاء الناس – بحكم
طفولتهما – إلى الفلاة في یوم عید الربیع وهما بكامل وضعهما الطبیعي وعلى أحسن ما یكونان رشدا وعقلا ،
فلما جاء المساء عادا إلى البیت وقد تشعثت هیأتهما ، وتمزق لباسهما ، ذاهلین لا یملكان وعیا ولا إحساسا ،
مشدوهین كأنما قد أصیبتا بمس في عقلیهما . وهما – أیها الشیخ – إلى هذه الساعة على هذا الوضع الغریب
الذي لم أفهم له تأویلا.
ولقد جئتك بخاتمین لهما ، لم ألمحهما في یدیهما إلا منذ ذلك الیوم – ویخیل إليَّ أن فیهما سر الخمرة التي
أودت بعقلیهما إلى هذا الذهول – لكل تستعین بهما في استخدام طاقتك لاكتشاف حال هذین الطفلین وبیان حقیقة
هذا البلاء المتشبث بهما ، أهو صرع وجنون .. أم خمر هو وعشق .. أم هو ماذا ؟؟ !!
ذلك رمز ألقیته إلیك أیها الشیخ فافهمه . وهناك سر دفین في هذین الخاتمین فاعلمه . وحسبك أن ترشدني إلى
صاحبیهما ، وتنبئني أهما ملكان یجوبان السماء ، أم شیطانان تحت الطوایا السبع ، أم بشران مثلنا فوق أدیم
الأرض ؟. ’’ !
فأخذ الشیخ الخاتمین ، ثم أكب على دفاتره وحسابه … وأخذ ینهمك مرة في الحساب والترقیم ، ومرة في
الإطراق والتفكیر.
وبعد قلیل رفع رأسه إلى العجوز ، وأخذ ینظر إلیها بعینین ذاویتین قد تغضن ما حولهما قائلا :
‘‘أو لا بد من كل هذا الكذب والتزویر أیتها الماكرة العجوز ..؟
تقولین طفلاك الیتیمان .. فهلا صدقت وقلت الدرتان الیتیمتان والغادتان النادرتان ؟ وتقولین صرع .. ومس ..
وجنون .. فهلا أوضحت الحقیقة التي هي مس الروح للروح ، وتعلق قلب بآخر ؟
أما هذان الخاتمان ، فلیس صاحباهما ملكین في السماء ولا شیطانین من الجن ، ولكنهما شابان معذبان ضاع
قلباهما منذ ذلك الیوم المشهود وراء هاتین الغادتین اللتین تقولین عنهما ، طفلاك.’’.
فهز رأسه مطأطئا وهو یقول ‘‘ : من غیر شك. ’’.
وهنا دنت إلیه العجوز وقالت :
‘‘ولكني كنت أود أن أعرف من أي الناس هما ؟ وكیف العثور علیهما ؟ ألا قل لي أیها الشیخ وأوضح ، فإن
لك عندي فوق ما ترید إن أنت كشفت الستار عنهما ، أو أرشدتني إلى جهتهما ومكانهما.’’.
فقال لها : ‘‘ أما هذا فلیس لي إلى فهمه سبیل ، وكل ما وراء الذي أخبرتك عنه لا یمكن الخوض في شيء منه
إلا بالحدس والتخمین . غیر أني أستطیع إرشادك إلى حیلة قد تنفذین منها إلى معرفتهما والإجتماع بهما ،
وهي أن تنطلقي في شكل طبیبة ماهرة فتطوفي بمختلف أنحاء هذه الجزیرة وبیوتها ، وتلفتي الأنظار بلباقة
وبراعة ، إلى أنك ذات خبرة ودرایة بمختلف الأمراض النفسیة والجسمیة ، وأن لدیك الوسائل المختلفة
لمعالجة مثل هذه الأمراض وماواتها . فلا ریب أن هذین الشابین معذبین الیوم ولا ریب أنهما إذ یسمعان بأمرك
یستدعیانك لشأنهما ومعالجة أمرهما.’’ .
فأعجبت العجوز بهذا الرأي . ثم أعطته دینارا آخر ، وشكرته وانصرفت.

ممو زين – الطبیبة السائحة

لم تعد العجوز هیلانة – بعد مغادرتها لذلك الشیخ – إلى القصر ، وإنما بادرت في إعداد العدة وتهیئة الوسائل
لكي تصبح طبیبة . وبعد حین أصبحت ذات منظر جدید وشكل غریب … حیث ارتدت فوق ثیابها رداء سابغا
فضفاضا قد شق من أمامه فبدا من تحته ما علقته على كل من جنبیها من الحقائب التي ملأت بعضها بزجاجات
وعقاقیر . .. وحشت بعضها الآخر مباضع وهنات مختلفة من كل ما یحتاج إلیه الطبیب الماهر .. ثم استوت
على ظهرها وانطلقت تطوف بالأحیاء ، وتؤم المجالس والبیوت ، تتسمع خبر أي مریض مطروح أو متألم
موجوع ، لكي تأخذ طریقها إلیه متبرعة بمعالجته ومواساته.
وهكذا بدأت توحي إلى الناس بأمكر أسلوب مبلغ ما اوتیته من براعة في فن الطب بمختلف أنواعه…
ولم تمض سوى برهة حتى كان اسمها قد انتشر في كثیر من أنحاء الجزیرة ، وتسامع الناس بأن عجوزا
سائحة قد وصلت إلى الجزیرة ، تعالج أنواع الامراض والأدواء المختلفة بمهارة فائقة . وكان ممو وتاج الدین
إذ ذاك قد سائت بهما الحال أكثر من الأول وأصبح كل منهما نهبا لأفكار وآلام متواصلة مما لفت إلیهما أنظار
ذویهما بل معظم أصحابهما ولكن دون أن یعلم أحد بحقیقة الأمر أو یدرك شیئا مما حدث لهما.
ولم یكن – في الواقع – منشأ تلك الآلام والأفكار واحداً بالنظر الیهما ، بل كان مختلفا إلى حد بعید . أما ممو فقد
كان السبب في ذلك زیادة تعلقه وتفاقم وجده .. فلم یكن یقر له قرارا أو یلین لجنبه مضجعا منذ عرف أن التي
ضاع عندها رشده إنما هي أمیرة الجزیرة .. ومنذ أخذ یفكر كیف أن تلك الغادة الحسناء رأفت بقلبه ورقت
لحاله ، فتركت خاتما الدري في یده لكي ینوب إشراقه عن ابتسامتها عندما یغیب طیفها عنه ، ولكي یقوم
مقامها في مواساته إذا تلظى منه القلب . كان ذلك التفكیر یستحیل نارا تتقد في أحشائه وتسعر كل مشاعره
وأحساسیه ، وكانت تزداد ثورة هذه الآلام في نفسه حینما یقعد لیفكر في شخصه وفي مركزه البسیط الذي لا
یجعله اهلا لأن یتقدر إلى الأمیر زین الدین لخطبة أخته . بل لا یعقل من الأمیر أن یقبل مثله صهرا له من بین
مختلف أفراد حاشیته ووزرائه . فكان ذلك یزید في آلامه مرارة الیأس , ویسلمه إلى زفرات طویلة تكاد تشق
صدره.
أما تاج الدین فعلى الرغم من أنه أیضا كان متعلق القلب بصاحبة الخاتم الذي في یده ومنصرفا بمشاعره
نحوها إنصرافا تاما ، إلا أنه لم یكن یقاسي في ذلك مثل آلام ممو وثوراته النفسیة . ویبدو أن السبب في ذلك
هو أنه كان ذا أمل قوي في الوصول إلیها ، ولم یكن یخامره شك في أن الأمیر لن یتردد في قبوله صهرا له ..
فهو ابن وزیر الدیوان ، وهو أحد أشقاء ثلاثتهم عمدة الأمیر في كثیر من الظروف والاحوال ، والأمیر نفسه
یدرك أن مصلحته تقضي بإكرامهم وتقریبهم منه.
ولكن تاج الدین كان یعاني أفكارا أخرى تؤلمه وترهق مشاعره إرهاقا شدیدا ، ولا یهتدي إلى مخلص منها !
فقد كان ممو كما قلنا صفیه الوحید من دون الناس كلهم ، وكان ینزله من قلبه منزله شقیقه .. بل أسمى من
ذلك وأعظم .. ولم یكن یخفى علیه ما یقاسیه من وجد وتحرق ..فكان یقعد لیفكر في أن مركزه كسكرتیر
للدیوان لا یؤهله لأن یتقدم إلى الأمیر بطلب ید أخته منه ، ولكن لا یعقل أیضا أن یمضي هو متنعما بمراده
تاركا خلیله الوحید وراء ظهره یتقلب في ناره . فكیف التدبیر وما العمل ؟! .. أیضحي بقلبه وسعادته من أجل
صدیقه ممو ویظل إلى جانبه یواسیه ویقاسمه ضره ؟ أم یبحث عن سبیل لإمكان وصولهما معا إلى أمنیتهما
المنشودتین ؟ ولكن كیف العثور على هذا السبیل الخفي الشائك ؟؟.. !!
وهكذا أضحى كلا الخلیلین مظهرا للقلق والتفكیر الدائم مما جعلهما محورا لتفكیر الاهل والأقربین ، والحیرة
في شأنهما.
وذات أمسیة ، وبینما كان ممو و تاج الدین جالسین في ركن من قاعدة الضیافة التابعة لدار تاج الدین وشقیقه
مع زمرة من الأهل والأصحاب یتسامرون ، مرت من أمامهم الطبیبة العجوز وألقت التحیة علیهم ، وكانو قد
سمعوا باسمها وتذاكر معظمهم في استدعائها لعرض حالة ممو وتاج الدین علیها ، فردوا علیها التحیة وطلبوا
إلیها الجلوس معهم بعض الوقت . وبعد أن استقر بها المجلس سألها عارف قائلا : ‘‘ من أین أنتي ایتها الخالة
وما شأنك ؟. ’’
‘‘ -أما أنا فمن قریة صغیرة تقع وراء لك الجبل وتبعد عنه قلیلا ، وأما شأني طبیبة أسیح في أنحاء البلاد
لإغاثة المرضى ومعالجة شوؤنهم.’’..
‘‘ -وما هي الأمراض التي تعالجینها ؟؟. ’’
‘‘ -الواقع أنني اشتهرت في المهارة في معالجة الأمراض النفسیة والروحیة فقط .. غیر أني استطیع بحكم
مراني الطویل معالجة غیر ذلك أیضا من الأمراض البدنیة.’’..
وهنا فاجأها تاج الدین من ركن بعید في المجلس قائلا :
‘‘ -مذا تعرفین من الأمراض الروحیة ایتها الطبیبة ؟؟. ’’
فالتفتت العجوز صوبه واخذت تلحظه بعینیها الضعیفتین حینما كأنما ترید أن تعرف من هو هذا الذي یسأل عن
الروح وأمراضها.
ثم قالت له وقد خالها شك في أن یكون هذا أحد اللذین تبحث عنها:
‘‘-أعرف یا ابني من هذه الأمراض أنواع كثیرة ، كنت قد عالجتها في كثیر من الناس ، فهل تشكو – لا سمح
االله – شیئا منها.’’
وقبل أن یجیبها تاج الدین بادرها ممو قائلا :
‘‘-ما هو أشد أنواع هذه الأمراض أیتها الخالة ؟؟ وهل لكي أن تصفیه لنا وتحدثینا عنه ؟.’’
فنظرت الیه وقد قوي شكها وغلب على ظنها أنها أمام ضالتیها المنشودتین . ثم تنهدت بعمق وقالت له:
‘‘أشد أنواع هذا المرض یا بني ، نوع – لا أذاقك االله إیاه – یسري من الألحاظ . ویسلك طریقه في الألحظ .. ثم
یتخذ مستقره في القلوب . هو في أول أمره رعدة في المشاعر ، ودقات بین ألواح الصدر ، وتلون على ملامح
الوجه . فإذا نمى وترعرع فهو برق یستعر ومیضه في الأحشاء ، تتلظى الجوانح بناره من غیر لهب ، ویشوى
الفوائد في وهجه من غیر جمر . ثم إذا استقر وتمكن فهو نهش وفتك لسویداء القلب ، یجرحه بلا مبضع ،
وینزعه من غیر سنان . فهناك یشخب دمه منهمرا من العینین ، ویذوب الجسم بین بوتقة الحشا وزفرات
الصدر . وهناك لا یغني الطبیب ولا عقاقیره ولا یجدي سوى أن تتضامن الروح وتتطأ النار ببرد الوصال. ’’
وسكتت العجوز هنا .. فقد لاحظت نشیجا قویا بدا یتعالى من صدر ممو الذي لم یعد یملك دموعه ، واصفرارا
شدیدا تلطع به وجه تاج الدین الذي أطرق ذاهلا ، واتفتت إلى بقیة الجالسین وقد خشعت ملامحهم ، وداخلتهم
رقة شدیدة من أجل ذینك المسكینین الذین لم تعد تشك في أنهما ضحیتا الأمیرتین في الیوم التاریخي الفائت.
ثم أنها قامت من مكانها تؤم الركن الذي كانا یقبعان فیه وربتت على كتفیهما قائلة:
‘‘لا بد أنكما یا ولدي تعانیان مجهودا أو ألما من هذا النوع ، ولكن لاضیرعلیكما ، فإن دوائكما عندي.’’
ثم توجهت إلى بقیة الحاضرین وقالت:
‘‘-لا بد لي من تشخیص أمر هذین الشابین ، ولابد أن یكون ذلك على خلوة معهما ، فهل أستطیع أن التمس
منكم الموافقه على ذلك. ’’ !!
وبعد قلیل .. كانت الغرفة قد أصبحت خالیه إلا من المریضین .. وطبیبتهما التي أخذت تسرح فیهما وتقلبه لتجد
شابین رائعین لم یتخطیا ربیع العمر ، تبدو على مخایل كل منهما معاني العز والمجد ، إلى جانب ما یظهر في
شكلیهما من سیما الروعة والجمال ، على الرغم مما اصطبغت به ملامحما من مظهر الكآبة والإنكسار.
وبعد أن مضت تواسیهما مستدرجة لهما في الحدیث عن شأنهما وقصتهما إلى أن فهمت كل شيء ، فابتسمت
قائلة:
‘‘لیطب خاطركما یا ولدي ولتقرعیناكما فما أنا واالله إلا رسولا من أمیرتي بوطان إلیكما لأسري عنكما
وأواسي جرحكما ، وها هو ذا خاتم كل منكما …
ولم تكد العجوز تنطق بهذه الكلمات وتمد یدها لتریهما الخاتمین حتى دار بكل منهما فضاء ، وغشیتهما موجة
شدیدة من الذهول لم یستطیع ممو أن یثبت بأعصابه أمامها فهو كطفل صغیر یقبل إلى أحضان العجوز یقبل
أذیالها ویتشبث بأطرافها دون أن یملك رشدا . بینما ظل تاج الدین فترة من الوقت مشدوها یحملق في العجوز
دون أن یستطیع نطقا أو یملك حراكا..
أما العجوز .. فما إن أبصرت منظرهما ذاك ، وما آلت إلیه حالهما ، حتى داخلتها رقة شدیدة من أجلهما ،
وفاض قلبها حنانا لهما ورحمة ، فأخذت بیمین كل منهما قائلة:
‘‘لا داعي إلى كل هذا الهم والغم یا ولدي … فوحق االله المعبود لم أدعكما ما حفلني التوفیق حتى أبلغ بكل
منكما إلى أمنیته وهواه .. ولن یطیب لي الموت إلا بعد أن أراكم أنتم الأربعة … وقد جمعكم الشمل وأظلكم نعیم
الوصال وما على كل منكما الآن – لكي أستطیع الشروع بالمهمة منذ الساعة – إلا أن یخبرني عن اسمه
ویطلعني على شأنه ومركزه في هذه الجزیرة . كما وأرجو وقد اتیتكما بخاتمیكما أن تسلماني هذین الخاتمین
لأعود بهما إلى صاحبتیهما تجنبا لإفتضاح الأمر .. ولن تطول غیبتي عنكما ، بل لا بد أن أعود إلیكما قریبا
بالجواب.
فتهللت أساریر تاج الدین ، وقام فأعطاها خاتم ستي الذي كان معه بعد أن عرفها باسمه وشأنه ، أما ممو فإنه
أطرق قلیلا ثم قال للعجوز:
‘‘لعلكي یا سیدتي تعذرینني إذا قلت بأنه لیس بوسعي إعطاء هذا الذي تریدین .. ولعلكي تصدقینني إذا حلفت
لكي بأن هذا الخاتم الذي عندي هو الیوم بقیة روحي التي تخفق بین جنبي ! ومن ذا یستطیع أن یعمد إلى
روحه فینتزعها ؟! … لا یا سیدتي … إنني أتشفع إلیك بناري التي تذیب أحشائي ، وأتوسل إلیك باسم ( زین )
أن تتركیها في هذه البقیة من الرمق ، وتدعي هذا الخاتم في یدي.’’…
وسكت قلیلا كأنما یغالب آلاما تثور في نفسه . ثم مضى في حدیثة یقول:
‘‘والآن دعیني یا أماه .. وأنتي رسول قلبي الضائع … أبثك رسالة نفسي إلى ربة هذا القلب : قولي لها أنه
مسكین من الناس … لا یبلغ أن یكون كفؤا لذوي الإمرة والسلطان . غیر أن سهام الحب طائشة .. لم تكن تفرق
یوما ما بین فؤاد مسكین وأمیر ، وهو الیوم لا یتطاول إلى مركز لیس أهلا له ، ولكنه یتطلع إلى عطف من
شأن الامراء أن یشملو به عامة الناس ، وحسبه من هذا العطف أن تخطریه على بالك بین وقت وآخر .. وأن
تسالي عن حاله ولواعجه بین الفینة والأخرى…’’
فتأثرت العجوز من لهجة كلامه ، ولم تجد بدا من أن ترحمه فتدع الخاتم في یده . وبعد أن حاولت مواساتهما
فترة من الوقت قامت فودعتهما .. ووعدتهما في العودة بأقرب حین.

ممو زين – إنه الحب

ولنسرع الآن إلى القصر قبل عودة العجوز ، لنعلم ما الذي آلت إلیه حال ستي و زین ، منذ أن خرجت من
عندهما ولم تعد.
والواقع أنهما أخذتا تنتظرانها على أحر من الجمر ، وترقبان رجوعهما بین كل ساعة وأخرى . فقد تركتهما
لتذهب فتستكشف لهما السر المخبوء ، وتأتیهما بالخبر الیقین عن حقیقة تینك الجاریتین اللتین شغلتا قلبیهما
و فكریهما ، ولكنهما ذهبت ولم تعد .. ! وبطول غیبتها عنهما استبد بهما القلق وزاد اضطرابهما ولم یعد یقر
لهما قرار ، ویهنأ لهما مأكل أو مشرب ، وأخذ الفكر یذهب بكل منهما مذاهب متشعبة فیما یمكن أن یكون
السبب في تأخر عودة العجوز!
وبینما كانتا ذات یوم جالستین في إحدى مقصواتهما الخاصة من القصر تتحدثان ، إذا بطارق یستأذنهما في
الدخول . وما إن توجه نظرهما نحو الباب ، حتى أبصرتا العجوز بوجهها المتغضن وظهرها المنحني واقفة
أمامهما ، ترمقهما بابتسامة عریضة ذات مغزى…
وهبت الأمیرتان تطوقانها ، وتبثانها شوقهما ، ثم أسرعتا فأجلستاها بینهما ، وأخذتا تسألانها عما استطاعت
أن تصل إلیه في كل هذه الغیبة من المعلومات ، وعن مدى ما كشف لها علمها وبحثها عن سر تینك الجاریتین
ومكانهما.
فقالت لهما وهي لا تزال تلهث من التعب:
‘‘-أقسم لكما أمیرتيّ بالخالق الذي أولاكما هذا السحر والجمال أنني آتیة الآن من عندهما . وإن قلبي لا یزال
یخفق رحمة وحنانا لمنظرهما . وا كبدي لهما یا ابنتي … كلما سمعا باسم ستي وزین التهب فیهما الدم نارا ،
وتمشت في أوصالهما رعدة تثیر الرحمة لهما والإشفاق.
هما واالله یا ابنتي خیر شابین أبدعهما االله لطفا وجمالا وشهامة وكمالا . وما عجبي من ذلك بمقدار عجبي من
أنكما – فدیتكما – كیف وفقتما لانتقائهما . واهتدیتما في ذلك الجمع الحاشد إلى مكانهما ! فهما واالله – سواء
أكانا أمیرین أم زعیمین أم بسیطین من الناس – خیر كفؤین لكما ، ولائقین لجمالكما’’.
وكان طبیعیا هنا أن تتملك كلا من ستي وزین حیرة بالغة وتطوف بهما دهشة شدیدة من هذا الكلام . فقد كانتا
تتصوران كل محتمل لشأن الجاریتین ، سوى أن تكونا رجلین من الناس قام فیذهنیهما ذلك الیوم مثل ما قام
لدیهما أیضا من التنكر وإخفاء الحقیقة … فلم یكن ذلك الحتمال لیتطرق إلى خیالهما قط.
واستفاقا من حیرتهما ودهشتهما لتشعرا بلواعج حب شدید قد ظهرت في مشاعرهما ، وأخذت تتضرم سعارا
في قلب كل منهما . كانت في الماضي آلاما واضطرابات حول السر المخبوء الذي لا تعرفانه ، ولكنها الیوم
أصبحت حقیقة أخرى ذات خطورة أشد .. فهي الحب .. الحب الذي بدأت رعدته تسري في مشاعر كل منهما
من الفرق إلى القدم!
ثم أنه لم یطل التفكیر في الموضوع بعد أن شرحت العجوز لهما عن تاج الدین وممو كل شيء .. وبعد أن
نظرتا حولهما فلم تجدا سوى العجوز التي قد أضحت خبیرة بحالهما مطلعة على سرهما . فقالت لهما إحداها:
‘‘ -لعله لیس خافیا علیك – أیتها الخالة – أن خبرك هذا زاد في قلب كل منا آلاما طارئة .. وأرهق مشاعرنا
بإحساسات جدیدة .. ولسنا نرى غیرك الطبیب لآلامنا ، ولن نجد إلا لدیك العلاج لقلبینا . ولن نقدر أن نتصرف
في شىء من هذا الأمر إلا بسعیك ، ولا نتكلم عنه إلا بلسانك . فهل لك أن تتحملي من أجلنا شیئا من الجهد
وتكوني لسننا الناطق في هذا السبیل.’’!
فأجابت العجوز متهللة:
‘‘إنني منقادة یا أمیرتيّ كل ما تبغیانه وتأمرانني به . وأي جهد هذا الذي سیلحقني في سبیل إسعادكما ؟ بل
أیة راحة سأشعر بها ما دمتما معذبتین كما أرى ؟’’
فقالتا لها:
‘‘إن كل ما نبغاه هو أن تسرعي فتعودي إلى ذینك الشابین لتنوبي عنا في مواساتهما ومعالجة شأنهما ، إذ لا
ریب أنهما الآن یعانیان مزیدا من الآلام التي حدثتنا عنها . هدئي أیتها الخالة من كربهما ، وامسحي بدلا عنا
بیمینك زفراتهما ، قولي لهما : انعما بالاً ، فلستما وحیدین في هذه المشاعر والآلام . إن تینك اللتین صرعكما
حبهما في ذلك المساء … بین تلك الشعاب … تذوقان معكما على البعد مثل ذلك . كان قبل الیوم عطفا علیكما
ورقة من أجلكما ، وهو الآن حب یخفق به قلبیهما كما یخفق منكما ذلك وتقاسیان منه كما تقاسیان ولئن
استطعنا أن نكتم هذه اللواعج إلى الیوم ، فإن ذلك لسلطان الحیاء و حاجبه المسدل علینا .. و لقد آن لهذا
الحجاب أن یزاح عنكما .. لتعلما أننا قد ارتضیناكما رفیقني لحیاتنا حسب الإختیار الذي دل علیه خاتم كل منا
منذ لقائنا في ذلك الیوم المشهود . ولكل منكما إذا شاء أن یتقدر الیوم إلى الأمیر لخطبتنا منه . فیسع إلیه عن
كل منكما أناس یعرضون علیه الخطبة . وآخرون من ذوي الشأن یتوسطون إلیه في رجاء القبول . أما المكان
والشأن .. والغنى والمال والمهر .. فقولي لهما أنهما رضیتا من ذلك كله بالحب الذي خفق في قلبیهما منذ ذلك
الیوم واتضح مدى إخلاصه.
وكل ما امتدت إلیه طاقتهما بعد ذلك من الدنیا وأسبابها فهو منهما مقبول وجمیل .. هذه هي رسالتنا – أیتها
الخالة – بلغیها عنا إلیهما على أحسن وجه ، فعسى االله أن یكون مقدرا لنا في أزله سعادة الواصال ، كما قدر
علینا في غیبه ارتشاف كأس هذا الحب. ’’ .

ممو زين – البشرى

لیس أجمل لنفس العلیل المدنف الذي تسعرت جوانحه في سموم الحب من ساعة تفجؤه ببشارة الوصل
والرضى ، وتحمل إلیه من محبوبه صوت الحنان والعطف فینتفض قلبه بذلك من مرارة الیأس وآلامه . إن فیها
لحنا تعجز عن أداء مثله الأوتار ، وجمالا لا یشع مثله من منظر الخمائل والزهور ، وفیها نشوة لا ینبعث سرها
من سائر أنواع الخمر!.
إنها تلك الساعة التي طنت دقاتها في مسمع ممو وتاج الدین حینما عادت العجوز إلیهما بمظهرها الأول حیث
أهدتهما البشارة على أحسن وجه ، وبلغتهما رسالة الأمیریتن بالنص . ولم تكن رسالة وبشرى فقط بل كانت
بلسما لدائیهما ، وروحا جدیدا سرت في جسمیهما.
وغمرت العاشقین لحظات من النشوة والفرح ، وطاف بهما من حدیث العجوز أریج عطري بدیع ، وتموجت في
سمائهما من صداه أنغام سحریة سرت في مشاعرهما ، وأسكرت لبهما . ثم قام فنفح كل منهما طبیبته المبشرة
ما استطاع من الهدایا والمال لقاء تلك البشرى التي زفتها إلیهما.
وهب الصدیقان یسرعان إلى الأقارب والأصحاب یقصان علیهم لأول مرة قصة حبهما ، ویبلغانهم البشرى التي
وصلتهما . فعمهم الابتهاج والفرح ، لا سیما عارف وجكو اللذین كانا في حیرة بالغة من أمر أخیهما تاج الدین
وصدیقه.
وفي صباح الیوم التالي تألف منهم جمع من وجوه الجزیرة وأعیانها وعلى رأسهم شقیقا تاج الدین ، وانطلقوا
متوجهین إلى قصر الامیر زین الدین لیكلموه في الشأن ویلتمسوا منه قبول هذین الصدیقین صهرین له .
ولكنهم رأوا فیما بینهم أنه لا بد لكي یضمنوا إجابة الأمیر لخطبة ممو أیضا أن یلتمسوا أولا ید الأمیرة ستي
لتاج الدین دون أن یذكروا شیئا عن صاحبه ، فإذا ما أجاب اتخذوا من ذلك فیما بعد وسیلة لالتماس ید الأمیرة
زین لممو ، وسیمهد ویهیئ لذلك ما سیحدث من احتكاك ممو بالقصر وتقربه إلى الأمیر بسبب ما بینه وبین
تاج الدین من المودة والعلاقة الشدیدة.
ودخل الوفد دیوان الأمیر .. وأدوا أمامه مراسم التحیة والإجلال .. وبعد أن استقر بهم المكان نهض عارف
مستأذنا الأمیر في الكلام ثم قال:
‘‘ -مولاي صاحب السلطان : إن لنا في عطفكم الذي امتد ظله مع امتداد سلطانكم الشامل ما یشجعنا على أن
نعرض في رحابكم هذا الرجاء:
لا ریب یا مولاي أن العزیز منا من شرفته بعنایتك ، ولا یفیده بعد ذلك أن تحاول الدنیا إذلاله ، والمهین من
حرم من عطفك ، ولا تغنیه بعد ذلك أي قوة یركن إلیها أو سلطان یعتز به.
وإن تاج الدین یا مولاي وإن كان له في سلالته فخر الإمارة والمجد إلا أن شیئا من لك لا یقدمه إن لم یشرفه
فخر النسبة إلیك .. وهو الیوم یأمل من مولاه أن یتفضل علیه بفخر هذا النسب .. ملتمسا منه ید الأمیرة ‘‘
ستي ’’ ولقد سعینا إلى رحابكم لعرض رجائه هذا مع عرض أملنا علیكم في قبول هذا الرجاء . فهو یا مولاي
أخلص خادم یستأهل عطفكم ، ولعله ألیق شاب بالتشرف بمصاهرتكم.’’ .
ثم عاد عارف فجلس في مكانه . وتعلقت أنظار الجمیع بشفتي الأمیر ینتظرون جوابه . ولكن الأمیر لم یطل
تفكیره ، بل سرعان ما نظر إلیهم قائلا:
‘‘الحق أنه لیس لدي ما یمنعني من الإجابة إلى ما تطلبون ، بل أنا سعید بموافقتكم فیما أجمعتم على رؤیته
لائقا وموافقا . فلیتقدم إلینا من كان وكیلا عن تاج الدین في هذا . واطلبوا لنا القاضي الذي إلیه إبرام العقود ،
فقد قررنا عقد نكاح ستي على تاج الدین منذ الآن.’’ .
فهب جكو من مكانه منكبا على ید الأمیر یقبلها ویشكره بحرارة ولهفة وتابعه الجمیع یشكرونه على تفضله
وعطفه . بینما تابع الأمیر حدیثه قائلا:
‘‘لا ریب أن هذا الشاب قد أمضى أیاما طویلة في خدمتنا ووقف حیاته بإخلاص لنا . وإن من شروط الوفاء
علینا أن نقدر فیه إخلاصه ، ونؤدیه حق خدمته ، وأن نقوم بواجب هذا الوفاء له الیوم . ولا بورك لي في
الإمارة والسلطان إن لم أعطه حقه كاملا غیر منقوص ، وإن لم أجعل له في رحاب قصري هذا محفلا تزدان
فیه الولائم والأفراح لیالي وأیاما. ’’
ثم التفت فاستدعى رجال القصر قائلا:
‘‘علیكم أن تبادروا من الآن في إعداد العدة وتهیئة الوسائل والأسباب لإقامة الأفراح ومجالس الصفو والمرح
. هیئوا لها كل ما طاب من أنواع الشراب ، وادعوا إلیها كل أصحاب الطرب والغناء ، فلسنا نضمن من الحیاة
إلا هذه السویعات التي حولنا .لسنا ندري ولیس أحد یدري أسوف نظل في مثل هذا الحین من الغد نملك حیاتنا
، أم سیتخفطها منا القدرالمحتوم.
هذه الحیاة وبهجتها ، وهذا السلطان وأبهته ، وهذا الفلك الدائر من حولنا ، كل ذلك مظاهر لااطمئنان إلیها ولا
أمان لها ، هذه الأشكال التي یتضرب فیها النور الساطع بالظلمات القاتمة ، وهذه الصور التي تمتزج فیها النور
الساطع بالظلمات القاتمة ، وهذه الصور التي تمتزج فیها مباهج الأفراح والأعراس بمآسي المآتم والأحزان ،
كل ذلك یحذرنا من تفویت الفرص بعد حلولها وینبهنا إلى تدارك ساعات اللذه قبل غروبها . فالدهر لم یكن یوما
ما یفرق في خداعه بین شیخ وأمیر ، وسلطان وفقیر.’’
ثم التفت إلى شقیقي تاج الدین ومن معهما ، وابتسم قائلا:
‘‘فلأكن واحدا منكم من أجل تاج الدین الیوم . ولتحسبوني من جملتكم في السعي إلى هذا الطلب ، والقیام في
سبیل إرضائه’’..
وفي مساء الیوم التالي كان القصر قد أمسى قطعة من الفردوس ، مما كان یتألق فیه من مظاهر البهجة
والزینة وتتراقص في كل أنحائه كل معالم المرح والترف ، كما غص كل نواحي القصر وأطرافه بمختلف
الطبقات والأشكال من الناس . وأقیم في ردهته المتسعة خوان عظیم امتد به الطول والعرض امتدادا شاسعا ،
وصفت من فوقه عشرات الطباق الفضیة التي استدیر بعضها على شكل نجوم ، وقوس بعضها الآخر على شكل
أقمار ، وأقیم فوقها قباب من أغطیه فضیة تتألق في هندسة ما تحتها وشكله ،وقد كمن تحت كل منها خروف
مشوي لم تمس هیأته ولم یتغیر شكله ، كما حشر بین ذلك مئات من أطباق الفاكهة والحلوى ومختلف ألوان
الطعام و نثرت في سائر الأطراف كؤوس یترقرق فیها ألوان الشراب.
ولم یكد العشاء یرتفع حتى بدأ الحفل من جدید ، واتخذ الناس أمكنتهم في الشرفة الواسعة التي تطل على
حدیقة القصر . وجيء بمختلف ألوان الشراب في أباریق مفضضة بدیعة ، یدیرها غلمان قد أفرغوا في أروع
قالب من اللطافة والخفة والجمال . وأدیر أرق أنواع العطور ، فانتشر شذاها في الحاضرین متهادیا مع نسیم
اللیل وأضوائه . ومع حفیف ذلك النسیم أخذت أصوات الغناء تنساب إلى الآذان في جو حالم خلاب بألحان
الفرح والبهجة . فرادى حینا ، وحینا تنساب أصواتهم جمیعا في مقامات وألحان سحریة تتردد أصؤها حلوة
بدیعة بین حفبف تلك النسمات العطرة التي تداعب القوم في سكون حالم.
وفي تلك الأثناء أخذت أنظار الجمیع ترتكز على مقعد في صدر المكان ، حیث كان یجلس فیه تاج الدین ، وقد
بدا في عینیه بریق الأمل السعید ، وتجلت في ملامح وجهه فرحة السعادة . وكان كل من یدقق في نظرته یدرك
بسهولة أنه لا یكاد یرفع بصره عن ناحیة بعینها في ذلك المجلس ، فإذا ما تبع بصره إلى تلك الناحیة رأى
هنالك ‘‘ ممو ’’ وقد جلس جلسة تدل على أنه منطو على نفسه انطواء تاما ،فهو لا یكاد یشعر بشيء مما
حوله . ونظرة في عینیه الذابلتین ، وفي ملامح وجهه الذي أماله وأسنده على ظهر كفه في إطراقة طویلة –
تدل على أن شیئا من سحر ذلك الجو وجمال تلك الأوتار والألحان لا یلامس نفسه ، اللهم إلا لمسة عابرة غیر
مبالیة ، كأنما تقول له : ‘‘ لا أعرفك … ولست من أجلك’’..
و بینما الناس في تلك الأثناء إذ سكت كل شيء .. وهب الناس جمیعهم قیاما .. فقد دخل الأمیر في تلك الساعة .
وقبل أن یصل إلى الصدر الذي كان یجلس تاج الدین في بعض مقاعده نهض هذا من مكانه مسرعا فقبل یده .
فأخذ الأمیر بیمینه ومضى به فأجلسه إلى جانبه بعد أن أشار إلى الحشد الكبیر بتحیة باسمة.
ولم یكن یخفى على الأمیر أن بین تاج الدین وممو ودا شدیدا ومحبة صادقة ، فأخذ یجیل النظر في هدوء باحثا
عنه إلى أن عثرت عیناه علیه ، ورآه ساهما مطرقا . فأدرك أنه ربما أوحشه أن یكون بعیدا عن صدیقه في هذا
الحفل الذي یقام من أجله ، فاستدعاه إلیه ثم قال:
‘‘أنت صدیق تاج الدین وصاحب وده . ولیس ثم أقرب منك إلیه وألیق بأن یكون ‘‘ حفیظه ’’* منذ اللیلة إلى
آخر أیام عرسه . فتعال واجلس إلى جانبه هنا’’.
فانحنى ممو للأمیر قائلا :‘‘ أمر مولاي .’’ ثم تراجع وجلس إلى جانب تاج الدین.
وعاد الطرب والغناء ، وعادت الكؤوس تدور . وكانت لیلة رائعة أضفت على كل الحاضرین سعادة وأنسا .
وامتدت تلك اللیلة السعادة امتداد اللیل ، حیث كانت نهایتها أول أساس في بناء عرس تاج الدین . وكان ذلك
الأساس هو عقد نكاحه على الأمیرة ‘‘ ستي. ’’
*حفیظ العريس ھو ذاك الذي مكانه بجانبه ويمشي ورائه كأنما ھو حارسه . وھي عادة من عادات
الأكراد في أعراسھم . ويختار الحفیظ من أخلص أصحاب العريس وأقربھم إلیه.

ممو زين – العرس

ونعود الآن مرة أخرى إلى رحاب قصر الأمیر بعد أن مضت مدة على نكاح تاج الدین ، وانهمك خلالها في
إعداد العدة وتهیئة اسباب العرس . وقد غصت ردهة الطابق العلوي منه بعشرات الوصیفات اللواتي أخذن في
تهیئة شتى وسائل الزینة والتجمیل للأمیرة العروس وأختها ، ولیضفین على فتنتها روح الأناقة ، ویزدن في
سحرها روعة الصنعة.
وأقبلن إلى العروس یسرحن النظر أولا في شعرها … شعر كستناوي في نعومة الحریر .. قد تموج من سائر
أطرافه في غزارة منسابا إلى ما تحت المنكبین في بهاء وفتنة … وتمایلت من أعلاه خصل ملتویة فوق الجبین
في دلال ولطف ، بینما استدار سائره أمام الصدغین وحول الوجه في تجاعید رائعة ذات سحر . تصمیم إلهي
بدیع لا یستطیع أي مخلوق أن یلمس في روعته نقصا لیكمله ، أو خطأ لیعدل فیه.
وانتقلت أبصارهن إلى العینین … عینین واسعتین تنظران بسهام الفتك ، تحت حاجبین ینطلق منهما مثل ما
ینطلق من كبد القوس وأهداب ناعسة سوداء في سواد اللیل … تسترخي على تلك المحاجر استرخاء شاعریا
یفعل في الألباب ما تفعله الخمر . هذه الفتنة من الكحل الإلهي العجیب ، وهذا البریق الساحر المنبعث من هذه
النظرات ، أي إثمد أو صبغ في الدنیا له أن یغیر من ذلك ویبدل ؟!
ثم استدارت أنظارهن إلى القوام .. قوام میاد أفرغ في أروع قالب من التناسق والجمال ، وصمم في أدق تكوین
إلهي معجز . فجاء منسجما من كل أجزائه وأطرافه ، یبعث بعضه الفتنة في بعض . فأي ید من أیدي التقلید
والصنعة تزعم أنها ستزید فیه روعة وإبداعا ؟
ووقفت الوصیفات من حول ستي في جمود وذهول یمجدن خالق هذا الجمال ، وقد اعترفت حیرتهن بأن الجمال
الذي صورته ید الخالق لا سبیل لید المخلوق في تغییره.
ثم رأین أن لیس لهن إلا أن یتوجن ذلك الجمال بإكلیل رصع بالدر وأثمن أنواع الماس . یضعنه فوق جبینها
المشرق وبین أمواج ذلك الشعر الحریري الرجراج . أما قوامها فقد تركن فتنته تشع من خلف ثوب من القطیفة
البیضاء ، سرت فیه نقوش رائعة من خیوط الذهب الخالص ، وقد التف من الاعلى على جسمها التفافا یبعث
السحر . بینما اتسع من الأدنى اتساعا كبیرا ، وترك له ذیل طویل یتهادى من حولها على الأرض . أما نحرها
وما دون ذلك إلى الصدر فقد ترك إشراقه بادیا لیتألق فیه عقد من الماس تدلت من سائر أطرافه على النحر
حبات اللؤلؤ النادر.
وانصرفن بعد ذلك إلى ‘‘ زین ’’ ولكنها كانت أغنى من أختها عن التجمیل المصطنع لقد كانت هي وحدها الآیة
التي دلت على أن للإبداع الإلهي أن یسو على فتنة ‘‘ ستي ’’ وجمالها فلم یكن الشأن في تزیینها یحتاج أكثر
إلى مما قمن به بالنسبة لأختها..
ولم تمض سوى مدة قصیرة حتى انبعث من قصر الأمیر موكب یتهادى من وراء صفین من الخیول المزینة ،
موكب یزدان بأفخم مظاهرالجمال . عشرات من الوصیفات والجواري یتمایلن في أبدع أنواع الزینة والحلي ،
تتوسطن غادتین لو أن الشمس الساطعة في السماء انقلبت إلى انثى من بنات حواء لما استطاعت أن تكون في
سحرها وجمالها ! من ورائهن عشرات الغلمان الذین أفرغت علیهم كأس الزینة بأنواعها ، یحملون أطباقا
متألقة ملئت بالحلوى والنفائس والتحف.
وبدأ الموكب الرائع یعوم في یمٍّ متلاطم من الخلائق ، الذین تدفقت بهم الجزیرة من شتى نواحیها ، یتطلعون
في ذهول إلى تینك الغادتین اللتین طالما سمعوا بهما ، وحرمهم القصر رؤیتهما . ومضى الموكب یمخر العباب
… ویتهادى في وسطه ، والأعین كلها شاخصة في مشرق تلك الفتنتین إلى أن رسا أمام قصر تاج الدین …
وهو قصر شیده على أبدع ما تخیله من طرز . رفع أعمدته وفرش أرضه وجدرانه بأفخر أنواع المرمر المتألق
، وجعل أبوابه ونوافذه من الصندل والأبنوس النادر ، ثم حلىَّ أطرافه وسقفه بنقوش دقیقة من ماءالذهب
الخالص.
وما إن دخلت العروس إلى الردهة الخارجیة للقصر حتى رفعت فوق عرش فخم من الأبینوس كان ینتظرها
هناك.
وفي مثل طرفة العین اعتلى ذلك العرش فوق عشرات الأیدي والأكتاف . یتهادى وسط ذلك الخضم من الناس ،
وبین صخب ممتزج من الزغارید وأصوات الدفوف والمعازف وعبارات الدهشة والإعجاب ، حیث صدِّر أخیرا
في بهو الطبقة العلیا من القصر ، بینما كانت الجموع الحاشدة من المدعوین یجلسون في جناح آخر منه ،
تطوف علیهم كؤوس الشراب ، وقعد إلى جانبه ‘‘ ممو ’’ وقد بدا في مثل أناقته ومظهره . وراحت جزیرة
بوطان كلها تسهر في ثمل ومرح . وتتمایل في أحضان اللهو والطرب . وتوارت من وجه الدهر كآبته ، وأخذ
یطل على الناس بخالص من مظهر الصفو والسعادة . كؤوس الراح تدور ، ورنات العیدان وصوت الغناء
والدفوف یشق جو السماء ، ومئات الجواري والشباب یرقصون رقصات جماعیة فتانة تتهادى معها القلوب
والمشاعر . وظهرت في تلك الأثناء أطباق فضیة فوق أكف رجال من حشم القصر قد فاض كل منها بأكوام من
الذهب والفضة وكرائم التحف ونفائسها ، حیث أخذوا ینثرون تلك الأكوام من علو فوق تلك الجموع الحتشدة
في سائر جهات القصر و أنحائه ، فتتفرق فیما بینهم في بریق كأنها النجوم تتهاوى علیهم في غزارة من
السماء . وعم كرم الأمیرجمیع الناس . وأدخل الفرحة والبهجة إلى جمیع القلوب . فكم من فقیر في تلك اللیلة
استغنى ، وكم من عدیم أیسر ، ولك تزل هذه الأفراح على هذا المونال قائمة لا تهدأ إلى سبع لیال كانت كلها
مجمعا للصفو والمرح ، ومقدمة بین یدي ساعة العمر … ساعة الوصل بین ستي وتاج الدین.
وفي ساعة السحر من اللیلة السابعة ، والأفراح دائرة وقلوب الناس مستطیرة – كان قد بلغ الشوف بالعروسین
أشده ، واستعرت نار الشوق في ضلوعهما ، وامتزج وهجه بندى ذلك السحر ونسیمه ، وأخذ كل مظاهر
الأنس والبهجة من حولهما یلمس فؤادیهما لمسة كاویة . یلتف بها النسیم ، ویقام من حولها الخشیم ، لا بد أن
تتوهج وتتلف…
هنالك … وفي لحظة من تلك للحظات المتموجة في نسمات ذلك السحر – انفتح بابا تلقاء الأریكة التي كان
یجلس علیها تاج الدین ظهرت ورائه مقصورة مزینة تمیس في فتنة حالمة … وقد فاح من أركانها أریج العطر
، وأقیم في سائر أطرافها شموع تشع بأضواء مختلفة الشكل تنتشر في جوها نورا ناعسا ذا جمال وسحر ، كما
نظمتفي بعض جهاتها أطباق صغیرة مذهبة شُكل فیها ألوان الحلوى ووسائل التسلیة . ثم ظهرت في أیدي جمع
من ذوي العروسین شمعة باسقة ، في طول القامة . وقد وشیت أطرافها بأغصان من ماء الذهب ، وتوج
أعلاها بإكلیل من الزجاج المنقوش یشع من ورائه لسان من النور المتوهج .. حیث أقاموها في وسط تلك
المقصورة تلقاء نظر تاج الدین ، لتقول له بلسان حالها:
‘‘أیها العاشق الذي أفقده الشوق صبره وقراره .. یبدو أنك مثلي فما أقاسیه من ألم واحتراق..
إذن فقم من مكانك هذا الذي سئمته إلى حیث تنتظرك عروسك…
قم فقد آن أن تذوق بعد هذا الذي عانیته – نعیم الوصال…
قم فإن شمعتك مثلك في الإنتظار .. تقاسي مثل ما تقاسیه جوانحك…
من نار الإصطبار…
حسبك مثلي ذوبا واحتراقا … وكفاك مثلي دموعا وتسكابا…
إن ذلك النور الذي ضاع ورائه قلبك .. هو ذا أمامك الیوم … فلترتم فیأذیاله ، كما تفعل الفراشة الملتاعة .. إذ
تنثر روحها على أذیال اللهب.
أیها الساعي … طالما أتعبت قدمیك ابتغاء الوصول إلى هذا المطاف..
أیها السالك .. كم أظمأت كبدك قصدا إلى الطواف…
لقد قدر االله لك كل ذلك في سهولة … وحققه من أجلك في یسر…
ها هي كعبتك .. قد سعت نحوك . وها هو ذا مطافك قد تدانى إلیك…
أیها العاشق السعید .. قم لتطوف وتلتزم .. وتقبل وتستلم…
أیها العاشق الظمآن .. قم ، فالكأس مترعة .. وخمرتك في الإنتظار. ’’ …
وأدرك تاج الدین من هذه الإشارة وملابساتها أن قد حانت ساعة الوصل ولاح فجره .. فنهض من مكانه في
سكینة وهدوء ، وسار نحو المقصورة التي فتح بابها في انتظاره ، وإلى جانبه ممو صدیق سروره وأحزانه ،
یده في یده وقلبه مع قلبه ، وقد اشتمل على سیف في جنبه ، وهو شأن ‘‘ حفیظ ’’ العروس في العادة . وعند
الباب وقف ممو منحازا لیودع خلیله ویشیر إلیه بالدخول ، وكانت لحظات … توارى من بعدها تاج الدین وراء
الباب الذي ما لبث أن أغلق ، بینما ظل صاحبه واقفا في مكانه ذلك كأنه حاجب أمین.
ودخل تاج الدین إلى المقصورة ، لیجد عروسه جالسة من وراء تلك الشمعة التي حدثته بدموعها حدیث الحب
والوصال .. حیث تصافحت عیناهما في سكون حالم وتعانق قلباهما في ذهول طویل ، وتبدلت نار ضلوعهما
شهدا وخمرا . وباركت لهما تلك الشموع التي تحترق كؤوسا مترعة من الرحیق .. وشهدت وحدها أجمل
لحظات الدنیا لدى الأحبة…
وظل العروسان ثلاثة أیام في انشغال عن الدنیا وما فیها ، یرقدان في مهد الأحلام ، ویستیقظان على الأحلام ،
غذاؤهما شهد الوصال ، وشرابهما كوثر الشفاه
أما ممو فإنه لم یشأ – حتى بعد أن انفض الجمع ، وانصرف الجمیع – أن یبارح مكنه من قصر صدیقه ، إذ كان
سعیدا بأنیتولاها لصدیقه المحبوب ، تقضي – إذا أرید أن تكون في أسمى درجات الإخلاص – بأن یظل مكانه
كأي حاجب مخلص إلى أن یخرج العروس في الیوم الثاني أو الذي یلیه ، لیتلقاه ویكون أول من یهنئه من
أصحابه
وهكذا اتخذ ممو مكانه في ناحیة من فناء صرح تاج الدین الذي كان عبارة عن حدیقة غناء تحیط به من سائر
جهاته وحملته دواعي إخلاصه على أن یلازم المكان طوال تلك الأیام الثلاثة ، فلم یكن یبارحه إلا بعد منتصف
اللیل ، أو إلى شأن ضروري له ، ثم لا یلبث أن یعود مسرعا إلى مكانه في انتظار خروج صدیقه لیهنئه بحبه
الذي سعد به.
والحق أن شعور ممو في تلك الفترة لا سیما بقیة اللیلة الأولى عندما انفضت حشود الناس ، وطوى بساط ذلك
الأنس والصخب ، ولم یبق سواه واقفا عند ذلك القصر وسط سكون اللیل – كان شعورا ثائرا ألهب شوق فؤاده
، وأحاطه بمعنى الوحشة والغربة ، وأیقظ آلامه التي بین ضلوعه، وأثار حبه العنیف الذي كان من غیر شك
أشد من حب تاج الدین . فإذا علمت أیضا بأنه كان قد لمح ملیكة قلبه في تلك اللیلة واللیالي التي قبلها ولمحته
أكثر من مرة ، ورأتها عیناه وهي غارقة إلى جانب أختها في أبهى زینة وحلي – أدركت أن شعوره إذ ذاك
جدیرا بأن یحدث أثرا جبارا في نفسه ، ومن بعید أن یتحمله مهما آتاه االله وأمده به من جلد وصبر.
غیر أن بردا من الآمال المنعشة كانت تسري إذ ذاك في مشاعره ، فتخفف مقدارا من الآلام والثورة في نفسه
وتجعل فكره ینشغل بنشوتها عن الإنتباه إلى تلك اللواعج الشدیدة.
فلقد كان لا یفتأ – وهو یجوب كالحارس في أطراف القصر وبین حدائقه – یفكر في الك الملاطفة التي أبداها
الأمیر نحوه تلك اللیلة واللیالي التي قبلها ، وقد أخذ یتراءى له من ذلك أكثر من دلیل على أن آماله قد راحت
تزدهر.
إذ هل یمكن أن یعتبر شيء من ذلك التقدیر الذي أبداه لما بینه وبین تاج الدین منعلاقة الود والخلة ، أو اختیاره
له خاصة أن یكون قرینه وحفیظه إلى جانبه في عرسه ، أو تلك الملامح الخاصة المفاجئة التي ظهرت في
عنایته وعطفه عندما امره بأن یقعد إلى جانب تاج الدین ویتتزیى بمثل زیه وحلته ، هل یمكن أن یكون شيء
من ذلك إلا أكبر برهان قاطع على أنه لن یمانع أبدا من أن یسعد هو الآخر ب‘‘ زین ’’ وعلى أن یتزوجه بها ،
ویقیم لهما مثل هذا الحفل الرائع عند أول إشارة أو رجاء ؟….!
بل من یدري ؟ فقد یكون الأمیر لاحظ طرفا من هذا الحب المتمرد في فؤاده وأدركته رقة ورحمة لحرمانه من
هذا الحفل البهیج الذي ینفرد فیه صدیقه بالسعادة والهناء ، فأراد أن یشعره بالأمل ، ویدخل إلى قلبه البشرى ،
فجعل من تصرفه هذا ألطف إشارة إلى ذلك.
وأخذت هذه الآمال الجمیلة تجعله یشرع في تصویر حیاة سعادته وبناء أحلام حبه . وراح یفكر كیف أنه
سیحاول تشیید صرح جمیل كصرح صدیقه ، وسیجعله یزدان بأبهى أثاث ویحیطه بفتنة خضراء كهذه الحدیقة
. بل لقد حدثته نفسه بأنه لا بد من أن یشرع في التفكیر لتدبیر كل هذا من الآن فما أضیق الوقت إذا تقدم إلى
الأمیر بعد أیام لخطبة حبیبة فؤاده ، وعاجله الأمیر في كل شيء كما عاجل تاج الدین ، وما أشد على نفسه
الصبر بعد ذلك في انتظار تهیيء الجهاز وتدبیر الأسباب.
والخلاصة أن حلة ممو النفسیة في تلك الأیام الثلاثة التي كانت أول عهد فراقه عن تاج الدین ، والتي قطعها
منفردا في فناء قصره ینتظر خروجه ورؤیته – كانت أشبه ما تكون بقوس قزح من ألوان مختلفة من المشاعر
والأحاسیس ، لا یمكن أن یسمو إلى تصوریها أي بیان . فلقد امتزج الحب القاسي العنیف بأد لهیب من الشوق
وخالطهما الأمل المزدهر في أجمل صوره وأصدق إشراقه ، ثم انبثت كل ذلك مجتما في سائر مشاعره ، وراح
یخلق له من بین ضرام الواجد أحلاما سعیدة ، ونشوة عطرة ، وابتهاجا بفرحة صدیقه ووصوله إلى مبتغاه.
وفي صبیحة الیوم الثالث خرج تاج الدین … وكان أول ما دعاه إلى الخروج هو تذكره لممو . فلقد طالت غیبته
عنه ، واشتاق إلى أن یراه ویطمأن على حالته مع قلبه الجریح.
خرج من القصر .. وأخذ یسیر في الحدیقة متجها نحو باباها الخارجي قاصدا دار ممو دون أن یعلم أنه لا یزال
واقفا هناك ، ولم ینتبه إلى وجوده إلا بعد أن لمحه على البعد وأسرع یجري إلیه..
وهناك امتزج الصدیقان في عناق طویل ، ونظر تاج الدین إلى وجه صدیقه ، فأدرك أن هناك آلاما ولواعج في
نفسه ، قد حاول طیها وجمعها في زاویة صغیرة من قلبه لكي یتسع للابتهاج التام بفرحة أخیه … فتنحى به
جانبا من الحدیقة وأخذ بكفه قائلا:
‘‘أقسم لك یا صدیقي أنني لو وجدت أي سبیل لتقدیم سعادتك على سعادتي ولو ظهر لي أي طریق یمكنني أن
أفتدي فیها هنائي وحبي بلحظة واحدة من حبك وسعادتك لما توانیت عن ذلك . ولكنك تعلم أن هذه هي السبیل
الوحیدة لوصول كلینا إلى آمالنا التي علق القضاء قلبینا بها . وثق أنني لن أستسیغ طعم سعادتي التي تهنئني
بها إلا بعد أن یسعدني التوفیق في إیصالك إلى مناك وآمال حبك’’.
وهكذا ظل الصدیقان برهة من الوقت یتبادلان التهنئة والمصابرة . هذا یهنئه من كل قلبه ویشعره بفرحة فؤاده
من أجل سعادته ، وذاك یواسیه ویحمله على الصبر ، ویبشره بقرب وصاله هوأیضا.
الصدیق …؟؟؟؟ ألا ما أثمن الصدیق الذي یتسع قلبه المحروم للابتهاج بسعادتك ، ویقیم وراء صدره المكلوم
عرسا یوم فرحك.
هذا الصدیق الذي منحتك الدنیا مثله فإفده بسائر مظاهرها ومن فیها ، فإنما هو سراج من أجلك في الظلماء ،
وهو أمل لقلبك عند الیأس.

ممو زين – الفتنة

الكون كله منذ فجر الحیاة مسرح للصور المتضاد والمظاهر المتناقضة . فهذا اللیل والنهار ، والنور والظلام ،
هذه الشمس المتوهجة والظلال الوارفة ، هذا الهجر والوصال ، والمآتم والأعراس ، هذه المآسي والأفراح ،
وهذا البؤس والنعیم ، هذه الورود الناعمة بین أشواكها الدامیة – كل ذلك نماذج لمشهد هذا الكون المتناقض
أبدعه االله كذلك لیوجد في كل من الخیر والشر معناه ، ولیستبین كل منهما بالآخر ویتمیز كل عنصر بنقیضه ثم
لكي تشیع في الكون روح الحركة والكفاح ولترتبط هذة الخلائق بنظام السعي والتعاون.
ویأبى هذا السنن في الكون إلا أن یجري في قصتنا أیضا ، فیجمع فیها عنصري الخیر والشر ویمزج فرحة
السعادة بدموع البؤس … وعنصر الشر في هذه القصة هو حاجب خاص لدیوان الأمیر ، أما اسمه ‘‘ بكر ’’
وأما اسم أبیه فلم یكن یعرف من هو حتى یعرف اسمه . كانت لهذا الحاجب نفس تنطوي على أشد ألوان الخبث
والمكر . وكأنما غذیت روحه بحب الفتنة فهو یتعشق الولوج فیها حیثما لاح له بابها . ولم یكن في مظهره
قصیرا وقمیئا فقط ، بل كان إلى ذلك أجرد الشكل باهت السحنة ذا عینیت تشعان بمزیج من الحقد والكراهیة
والحسد.
وكثیرا ما كان یقترح تاج الدین للأمیر أن لو استغنى عن هذا الماكر الخبیث واستبدل به آخر یكون ألیق
بالقصر ، وأشرف منه خلقا وأصلا . وكان یقول له عنه فیما یقول:
… ‘‘إن الحاجب یا مولاي وإن كان لا یرجى منهم فوق ما یرجى من أن الكلاب فیها طبیعة الإخلاص والوفاء
أما هذا فإنه لا یعنیه شيء سمى أن یكون وغدا خبیثا’’…
فكان الأمیر یهز رأسه لكلامه ، ثم یبتسم إلیه قائلا:
‘‘إن حیاتنا یا تاج الدین تضطرنا إلى سفیه من هذا النوع … فإن لنا خارج هذا القصر شؤونا ومصالح … ولنا
أیضا هناك مشكلات ذات عقد … قد نحتاج إلى متاعب كثیرة في حلها لو لم نحو من حولنا سفهاء من هذا
القبیل . وإن كل هؤلاء الحجاب والحراس الذین تراهم من حول قصور الأمراء والحكام ، لا یراد منهم أن
یكونوا حجابا بمقدار ما یراد منهم أن یكونوا أداة بارعة لتسییر شؤونهم وحل معضلاتهم . أما أنه غیر ذي
نسب وأصل ، فلن یضیر شيء من ذلك في مصالحنا ما دامت تقضى ، وأما أنه ذو فتنة و خبث فإن شیئا من
خبثه وفتنته لن یتطاول إلینا بمكروه أو ضرر’’.
وهكذا أصر الأمیر على استبقائه ، ولك یستطع تاج الدین أن یقنعه بوجود ما یدعو إلى طرده والاستبدال به.
ومضت الأیام لك یَخْفَ فیها على بكر أن تاج الدین یكنُّ له كراهیة وبغضا ، فطوى في قرارة نفسه أمرا ، وراح
یضع بین عینیه خیوطا لفتنة یثیرها على رأس تاج الدین … ومضى یتحین لذلك الفرص السانحة ، إلى أن
كانت ذات أمسیة….
كان الأمیر إذ ذاك جالسا على انفراد في جانب من حدیقة قصره ، ولیس من أحد حوله إلا حاجبه بكر الذي كان
منهمكا على مقربة منه في تقلیم بعض الأغصان الیابسة من أشجار الحدیقة وتنسیقها.
ولاحت لبكر فرصة سانحة عندما سأله الأمیر : ‘‘ أجاء تاج الدین في ذلك الیوم إلى القصر أم لا ؟ ’’ … فقد
أجابه قائلا:
‘‘إن تاج الدین یا مولاي لم یمر بالقصر منذ أربعة أیام’’.
وسكت هنیهة ، ثم عاد فقال:
‘‘كأني أرى یا مولاي أن تاج الدین لم یعد یفرغ للتردد على الدیوان كسابق عهده! ’’
فسأله الأمیر:
‘‘وما الذي أصبح یشغله ؟ ’’
‘‘لا أدري ، قد یكون مجرد أنه لم یجد داعیا لأن یتردد كثیرا …’’ ثم انتهز فرصة تفكیر بدت ملامحه على
وجه الأمیر ودنا إلیه قائلا:
‘‘الواقع یا مولاي أنه لم یكن یمكن أحد من الناس أن یصدق بأن الأمیرة ستي یمكن أن تقدم رخیصة بهذا
الشكل لمثل تاج الدین في حین أن جمیع أمراء كردستان وسلاطینها كانوا یتمنون هذا الشرف لقاء جمیع ما
تمتد أیدیهم من مجد ومال.’’
فأجابه الأمیر وقد بدا علیه التقزز من كلامه:
‘‘ومن یكون هؤلاء الذین یحسبون ویظنون ..؟ بل من یكون أولئك الأمراء والسلاطین أمام كل من تاج الدین
وشقیقیه ..؟ إن كل واحد من هؤلاء الأشقاء الأبطل یساوي عندنا في یوم واحد من أیام الحرب الكریهة جمیع
ذلك الركام من الأموال والسلاطین.’’
فلما سمع بكر هذه اللهجة من الأمیر أیقن أن ذلك الإسلوب لن یفیده فیما یرید . فغیر مجرى الحدیث وقال وهو
یتشاغل بما بین یدیه:
‘‘لا شك أنه یجمل بالسادة أن یشجعوا غلكمانهم على المزید من الاستقامة والخدمة عن طریق إكرامهم
وإشراكهم في مجالس صفوهم وأنسهم ، ولكن بشرط أن لا ینسیهم الأنس حقیقتهم ولا یسكرهم عن أداء
واجباتهم ، وأن تظل انحناآتهم للأوامر في ساعات الصفو والمرح ، موجودة بنفسها عند الشدائد وفي ساعة
الكر والفر.
غیر أنني أخشى یا مولاي أن یكون بعض هذا التفضل منصرفا إلى غیر أهله فتكون نتیجته الكفران والطغیان .
إن البخیل یا مولاي لا تلیق بین یدیه النعمة والثراء ، والحقیر لا یلائمه’’…
وهنا قاطعه الأمیر بحدة شدیدة قائلا:
‘‘صه أیها لاقذر ، فما الحقیر غیرك . إنني أعلم من هو تاج الدین في حبه وإخلاصه ، وأعلم ما یجب عليَّ
فعله ، فلا تتماد فیما لیس من شأنك… ’’
فتصاغر بكر حول نفسه ، وتمتم قائلا:
‘‘لقد كنت أظن فیه هذا الإخلاص …لولا أني اطلعت منه على أمر لعل مولاي الأمیر لم یطلع علیه’’..
فقال له الأمیر في اشمئزاز:
‘‘وما هو هذا الذي اطلعت علیه ؟’’
‘‘ -لقد أصبح یا مولاي منذ أولیتموه شرف هذا القرب یستقل بالتصرف في كثیر من شؤون القصر الخاصة …
ولقد كان أول ما أذهلني من تصرفاته في ذلك هو أن راح یقدم الأمیرة ‘‘ زین ’’ إلى صدیقه ممو ، ویده
بتزویجها منه’’!…
وما إن سمع الأمیر هذا الكلام حتى أخ الذهول منه كل مأخذ ، وهب من مكانه یدیر عینیه فیما حوله من الفضاء
قائلا:
‘‘ماذا ؟ تاج الدین … یتصرف في مثل هذا الشأن دون أن أعلم ..؟ تاج الدین یقوم بتزویج شقیقتي لمن یرید .
دون أن یستشیرني على الأقل ؟ أم یبدو واالله قد أسرفت في العطف علیه حتى لم تبق في نفسه أیة رهبة مني
ولا خوف.’’
فدنا منه بكر قائلا:
‘‘ألیس یدري مولاي من هو تاج الدین ..؟ إنه ذلك المعتز بنفسه ، المغرور برأسه حتى قبل أن یحظى من
مولاي بهذا العطف … فكیف وقد نُفح غروره الیوم ؟ وإن أشد ما أخشاه واالله یا مولاي أن یكون هذا الرجل
یهدف من وراء استبداده الطائش إلى غرس نفوذه ونفوذ ذویه في رحاب القصر عن طریق المناسبة
والمصاهرة ، لیعلم بعد ذلك الإمارة لنفسه ، ویسلسلها من لدن آبائه وأجداده ’’..
وعاد الأمیر فجلس في مكانه وهو یقول:
‘‘لقد كان لي عزم واالله على أن أجعل زینا من نصیب ممو ، وأن أقیم أفراحهما عما قریب . ولكن ها أنذا أقسم
الیوم بفخر أجدادي فوق هذه الأرض ألا أدع ذلك یكون ، ولو جرت في سبیله سیول من الدماء حولي . فلیتقدم
إليّ إن شاء كل من ضجر من حمل رأسه لیتوسط أو یستعمل نفوذه في ذلك’’.
وهكذا أقام الأمیر ، بفتنة حاجبه الخبیث ، أصلب حاجز بینه وبین كل من كانوا یریدون أن یتوسطوا إلیه في
تزویج ‘‘ زین ’’ لصدیق تاج الدین ، وهدم آخر ساف من الأمل في إقامة فرح هذین الحبیبین ، ولكن دون أن
یعلم ممو أو تاج الدین أو أي واحد من أصدقائهما هذه الوشایة التي تسببت في ذلك .. وهذا الدور الخبیث الذي
لعبه بكر للوصول باأمیر إلى تلك القسوة في الموضوع . غایة الأمر أنه كان یصد إلیه كل من كان یفاتحه في
هذا الشأن ، أو یحاول الرجاء أو التوسل إلیه لتزویج ممو من شقیقته زین وكان آخر ما قاله في مجلس ضم
تاج الدین وشقیقیه وجمعا كبیرا من أصدقائهم ، یحاولون فیه استرضاءه بشتى الوسائل ، هو أن قال:
… ‘‘تأكدوا جمیعا أنه قد یمكن أن تظل زین طوال حیاتها عزبة في القصر ، ولكن لا یمكن أبدا أن أجعلها یوما
ما من نصیب ممو ولا داعي أیضا إلى أن تعرفوا سببا لذلك أكثر من أنني هكذا أردت . ولا داعي أیضا إلى أن
تعیدوا بعد الیوم إلى سمعي هذا الحدیث ، إلا إذا رأیتم داعیا إلى إثارة شر أنتم الیوم في غنى عنه’’..
ولقد كاد تاج الدین أن یعلن للأمیر إذ ذاك أنهم لیسوا في غنى عن هذا الشر ما دام هو وحده الثمن لما تقدموا
إلیه برجاء تحقیقه ، لولا أنه كان ذا أمل في تطورات المستقبل التي قد تسهل الموضوع ، ولولا أنه كان یرجو
استرضاء الأمیر یوما ما عن طریق السیاسة واللین عوضا عن الثورة والشدة.
في محراب الأحزان
الأیام تمر على ستي وتاج الدین صافیة مشرقة ، والدهر یبتسم لهما بألوان من الصفو والسرور ، ویمد من
حولهما حیاتهما الجدیدة ظلالا وارفة من النعیم ، ویقدم كؤوسا مترعة من السعادة التي أنستهما أیام اللوعة
والفراق.
والحبیبان الآخران لا یزالان في لظى من نار صبرهما وحرمانهما . یقضي كل منهما اللیالي والأیام في صومعة
انفراده لا یبصر من حوله أي مؤنس ولا ینتهي إلى سمعه صوت أي راحم.
والهموم إذا لم تجد صاحبا یخفف من آلامها ، والزفرات إن لم تصادف مواسیا یبرد من حرها ، فأنى لصاحب
هذه الهموم والزفرات أن یتحمل ؟ وأنى للتجمل والهدوء أن یجد وسیلة إلى القلب ؟ لا بد للأفراح لكي تصبح
مشرقة ، ولا بد للأحزان لكي تكون متحملة من صاحب وشریك فیهما . وإلا فما أحرى بالهموم التي تحیط بها
الوحشة والنفراد أن تصبح سببا للهیاج والجنون.
كان تاج الدین فیما مضى ألیف ممو لدى سروره وأحزانه فكان خیر طبیب ومواس لقلبه كلما هاج به الشوق .
وكانت ستي أیضا هي وحدها مأوى الآلام والأفراح لأختها زین ، فمدامعها لا تنسكب إلا بین أحضانها ،
وسرورها لا یتم إلا إلى جانبها.
أما الیوم فقد مضى هذان الاثنان إلى سبیل سعادتهما ، وانشغل كل منهما بالفرحة بالآخر … وبقي ممو لوحدته
الموحشة ، یشكو فلا یجد من حوله من یتوجع إله ، ویتأوه فلا یرى أمامه من یواسیه . كما بقیت زین أیضا
منطویة على آلامها دون أن یدرك أحد ما بها ، فهي دائما مختلیة في غرفتها ، تسكب مدامعها بین ظلمات
الوحشة والنفراد ، تتأوه آنا من وحشتها في ذلك القصر ، وتبكي آنا آخر حظها التعس المشؤوم.
ومضى على زین من عرس أختها أربعون یوما … وهي تقاسي آلاما ولواعج تحرق ضلوعها ، ولا تكشف إلى
أحد من المخلوقات سرها.
أربعون یوما … كانت زین في خلالها شاردة اللب ، قد اتخذت من غرفتها محربا للبكاء والزفرات ، طعامها كله
غصه ، وشرابها مزیج بالدموع.
أربعون یوما … بدت من ورائها تلك الغادة التي طالما سحر جمالها وأسكر ، وقد ذبل منها ذلك الجمال وتهدل ،
وعاد كأنه البدر إذ یسري بعد تألقه نحو الرقة والذوبان.
ولم یعد یخفي على إحدى فتیات القصر وجواریه ما انتهى إلیه حالها . فكن یعجبن من أمرها ، ویرثین لشأنها .
ولم تكن تشك إحداهن في أنها تقاسي هذه الآلام لفراق أختها التي تحبها حبا شدیدا .. فكانت كثیرا ما تنتهز
إحداهن المناسبات لتخفف عنها وطأة هذه الذكرى لشقیقتها ، ولكن دون أي جدوى.
وفي ذات یوم تجمعن كلهن ، وذهبن إلیها في غرفتها التي تظل مختلیة فیها ، وجلسن من حولها یواسینها
ویقلن لها في رقة وعطف:
‘‘كم لك أیتها الأمیرة الصغیرة تسكبین هذه الدموع في غزارة وألم ؟! وإلى متى تعیشین مع هذه الأحزان
وتتوسدین هذا الهم ؟ !
إن أختك وإن تكن فارقتك غیر أنها انطلقت سعیدة مبتهجة بشریك حیاتها . فبأي سبب تتقلب هي هناك في
سعادتها وأنسها ، وأنت ههنا تجلسین بین الدموع والأجزان ؟
حسبك یا مولاتي … حسبك هذا الجزع الذي لا داعي إلیه . قومي .. فاقتلعي من قلبك هذه الهموم والآلام ،
وأزیحي عن مفاتنك قتام هذه الأحزان . جففي لحظیك من هذه الدموع لیعود إلیهما سحرهما ، وأزیلي عن
وجهك ضباب هذه الوحشة لیرجع إلیه إشراقه … اغسلي عن هذا القدح الرقراق من آثار الدموع لیمتلىء كما
كان بیاوقت الرحیق ، فقد آن أن تعود السكرة إلى الرؤوس وتطوف النشوة بالقلوب . دعي هذه الغرفة التي
جعلت منها بزفراتك جحیما ، ولینبعث كم هذه القوام رشاقته وسط أبهاء القصر وقیعانة فقد طالت علیه فترة
الكمود . مزقي عن الورود حجاب هذا الإنقباض لیتجلى بهاؤها . دعي هذه الجدائل تنفرد متهادیة على كتفیك
في دلال ، وائذني للسوالف من حول صدغیك والخصل الملتویة من فوق جبینك أن تهتز بهما نسمات الإغراء .
أعیدي إلى رونق هذا النحر عقده ، ولیتدل على الجانبین من لیل هذا الشعر قرطاه.
هذه الدنیا وزینتها … هذه الطبیعة وبهجتها .. هذه الأیام من العمر التي تطل علیك بثغر ملؤه البهجة والسعادة
..لا تدعي كل ذلك یفوتك وأنت مطرقة.. لا تسكري نفسك عنها بكؤوس الدمع والأحزان.
الحیاة جمیلة یا مولاتي ، وأنت أجمل منها . والدنیا من حولك مشرقة ، وإشراقك أتم منها . فانهضي …
وافرحي .. وابتسمي .. لیتم في الحیاة الجمال .. ویتكامل للدنیا الإشراق’’..
وهنا سكتت الفتیات وقطعن حدیثهن . فقد أخذ یتغلب على كلامهن نشیج صدرها ، واختلطت أصواتهن في
صوت بكائها ، وراحت تجیب حدیثهن بوابل من الدموع لم تسكب مثله إلى ذلك الیوم.
ولا بدع ، فالشوق نار في الفؤاد لا تزیده النصیحة إلا اتقادا ، وهو سر مستكن في الجوانح لا یفیده العتب
واللوم إلا افتضاح . لا سیما إن كان هذا الناصح لا یدري سر الحزن والألم فیمن ینصحه ، فهو یلقي على سمعه
كلاما بعیدا عن دنیا قلبه وآلامه ، لا ریب أن ذلك ا یزید في نفسه إلا شعور بالغربة وإحساسا بالوحشة والآلام.
ووجمت الفتیات في حزن وأسف … وتعلقت أنظارهن بشفتي زین ینتظرن منها أیة كلمةتشیر بها إلى سبب كل
هذه الحرقة والعذاب . ولكن عبرات عینیها ، ونشیج صدرها ، لم یكن شيء من ذلك یدع لها فرصة لأي حدیث
.
ثم نهضن جمیعا في ندم شدید مما أقدمت علیه … وتسللن من غرفتها الواحدة تلو الأخرى في هدوء ، وقد
ارتسمت على ملامحن مظاهر الدهشة والإنكسار.
وأغلق باب غرفتها بعد أن خرجت آخر واحدة منهن … فرفعت وجهها تحدق النظر فیما أخذ یحیط بها من رهبة
الوحشة والانفراد ، وأخذت تتراءى من حولها أطیاف تلك الفتیات ، وقد انقلب كل واحد منها إلى أشباح
متجسدة من الهموم والغموم .. وأحست من قرارة قلبها المحطم أن هؤلاء هم وحدهم أصدقاؤها الذین ألفوها
وألفتهم ، وخالطوا كل حبة من قلبها ونفسها . فراحت تتأمل من حولها تلك الأشباح ، وأخذت تحدثها قائلة:
‘‘مرحبا بكم أیها الأصدقاء .. أیها الأصدقاء للنفوس البائسة والندامى للقلوب المكلومة .. أیها الشركاء في
سرِّ ما رواء الجوانح المعذبة ، وأطیاف الوسن لعیون الخواطر الحزینة … یا كوؤس الراح للحلوق المریرة ،
ومظهر البهجة أمام العیون القریحة…
العشاق جمیعهم قد وصلو إلى محاریب آلامهم ، والسالكون كلهم قد انتهوا إلى مباهج أنسهم وسعادتهم . وها
هو ذا قلبي المهجور ساكن فیما بینكم خال من اجلكم ، لا یجوب أحد غیركم في أركانه.
لكم الیوم أن ترتعوا فیه كما تشاؤون وان تتصرفوا به كما تریدون ، وأن تتجازوا ذلك إلى كل جهة من
مشاعري وطرف من جوارحي . عیناي … سأتخذ منكم شعاع رقادهما ، شفتاي … سأملأ منكم كؤوس خمرها
، أفكاري … سأجعل إلیكم في أیامي السود ، وما أشد شوقي إلى الأنس بكم في لیالي الظلماء’’.
ثم یلوح لعینیها بین أشباح تلك الهموم خیال ‘‘ ستي ’’ وكأنها جالسة إلیها ، تتواسیان وتتشاكیان كما كانتا في
أیامهما السابقة ، فتتألق عیناها نحو ذلك الوهم ، وتمضي إلیه لتعانقه قائلة:
‘‘أختاه … یا روح زین ونور بصرها ، یا جلیسة أفراحي وهمي ، وشریكة سر قلبي ، یا عیش احزان نفسي
وجناح المسرة لروحي . الله هذا الدهر الذي جمع نفسینا في طبیعة واحدة ، ثم فرق بیننا في الحظ والسعادة ؟
ما أعظم شكري الله على أن آتاك الحظ الذي تریدین ، وأسعدك بالطالع الذي كنت تحلمین . فلیبتسم لك الدهر ،
فإن في ابتسامته عزاء لهمي . ولتسعدك الحیاة ، ففي إسعادها تهوین لشقائي.
أما حظي ، فمهما اشتد سواده الذي به فلن یتجاوز القسمة التي یجب أن أرضى بها وأسكن إلیها . كانت قسمتي
في الأزل هذه الهموم التي تحیط من حولي ، والبؤس الذي یقیم في نفسي . ذلك هو المقدر المسطور .. صفو
الحیاة وأفراحها من أجلك ، وحزنها وآلامها لقلبي . لك تاج الدین الذي أعطاك الدنیا فیه أفراحها ، ولي ممو
الذي قدمته إليَّ في همومها وشقائها . فللّه مني ما شاء من قبول بحكمه ورضى بقسمته’’.
أما اللیل فكانت في معظم أوقاتها تأبى أیضا إلا أن تسهر مختلیة في غرفتها . وكثیرا ما كان یحلو لها أن تجلس
إلى جانب شمعة من الشموع المتقدة في أنحائها ، تتأمل احتراقها ، وقطراتها التي تجري كالدمع من جهاتها ،
وسیرها نحو الذوبان والنتهاء . فتشعر في أسى ولوعة لیمة قد غدت شمعة أخرى بین هذه الشموع ، تسیر
مثلها نحو الاضمحلال و الانطفاء . ثم تثبت نظرها مطرقة في تلك الشمعة وتحدثها قائلة:
‘‘أیتها الأخت القائمة حیالي ، المحترقة بمثل ناري . لك أن تغتبطي وتحمدي الأقدار على ما بین آلامي وآلامك
من فوق مثل ما بین مشرق الشمس ومغربها . نارك إنما تعلو ظاهرا منك فقط ، وناري یتأجج لهیبها من
أعماق قلبي وباطني . نارك إنما تمس منك خیط هذا اللسان ، ثم لا تتجازه ، وناري یسري لظاها وراء جمیع
مسالك روحي ، ویقیم لهیبها حربا في كل جوانحي وجسمي.
هو في أعلاك نور یشع من حولك بهجة وضیاء . وهو في باطني دكنة تملأ ما حولي ظلمات وقتاما.
هو في لسانك سحر من البلاغة والتعبیر والبیان ، وهو في جوانحي وبین ضلوعي آلام كاویة تفقدني النطق
والكلام.
ثم أین أنت من أجیج ناري وزفرات نفسي إذ ترقدین منذ لمعة الفجر إلى المساء ، زفرات كاویة … ولظى
مستعر .. وأجیج متقد .. لا یكاد شيء من ذلك یریح نفسي ساعة من لیل أو نهار ، لیس من فم یطفئه ، أو
نسمة تخمده’’.
وتلمح أثناء اطراقتها في ذلك اللیل فراشات تطوف حول تلك الشموع ، فتنظر إلیها بعینین زائغتین بالدمع قائلة
:
‘‘أیها الطائر الهارب من عش الفراق ، والبلبل المولع بأزاهیر اللهب ، أیها الحجة الصائبة على المدعي
الكاذب ، والباذل روحه رخیصة في شجاعة وشوق.
قل لي ، ألا یدركك الملال ساعة من هذا الدوران ، ألا تشعر بتعب من هذا السعي المرتعش الدائب حول هذا
المطاف ؟
ولكن أسفا .. أسفا أن یقارن المتجه نحو الموت برزانة وجأش بذاك الذي یسعى إلیه في ضجر مرتعش.
كان علیك أن تعلم أن هذا الهلع في السعي مظهر للجزع المعیب ، وأن ارتعاشك الدائب طیش لا ینبغي ، وأن
تعجلك للفناء قبل أن ینضج منك الجسم بشوقه إنما هو تخلص من الصبر وآلامه.
هلا قعدت تصبر مثلي ، إلى أن یذوب الجسم في بوتقة الحشا ، وتتلاشى المادة في ضرام الروح ؟ إذا لبدلت
منك هذه الحقیقة الأرضیة بروح القدس والخلود ، ولعادت روحا صافیة في كأس شفافة من النور . وإذا أمكنك
أن تعانق هذا اللهب من دون احتراق وأن تتقلب في جنباته من غیر اكتواء’’.
وهكذا كانت تمر حیاة زین … خلوات مع الأشباح والأطیاف وحدیث مع الخیالات والأوهام ، یطوف كل ذلك بها
، ثم یستقر في ذهنها وقلبها وكل مشاعرها شيء واحد … هو اسم ممو … هو حظها المنكوب الذي أبعداعن
ألیف روحها ، وأخرجها من أفراح الدنیا ونعیمها.

ممو زين – آلام ممو

أما ‘‘ ممو ’’ فقد كان عدیم الصبر والقرار حتى عندما كان صفیه لا یزال إلى جانبه ، یشركه في ألمه ووجده ،
فكیف به الیوم ، وقد افتقد من جانبه الصدیق ، وغاب عن قلبه الأمل ، ولك یبق إلا خیال ‘‘ زین ’’ یشع
محیاها في ذهنه من خلف ضباب الیأس الألیم القاتل!!..
لقد كانت فترة وجیزة من الأیام … سرعان ما إختفى فیها ذلك الشاب الرائع ، المعتز بقوته وشخصه ، المعجب
ببطولته وبأسه وظهر من ورائها إنسان آخر ذو ملامح ذابلة . ینظر ما حوله بعینین شاردتین ، كأن فیه عتها
أو جنونا ، یهیم على وجهه بیاض نهاره وسواد لیله ، متنقلا بین الآكام والتلال ، یذرع مرة شواطئ دجلة
جیئة وذهابا ، ویتسلق أخرى ذرى الجبال صعودا ونزولا . لا یقر له مكان في أي جهة ، ولا یكاد یستأنس بأي
انسان.
إنه ممو بعینه .. ذلك العاشق الذي صدمه الیأس في قلبه صدمة واحدة بعد أن شبت الآمال في نفسه ، وكادت
تزدهر.
وهو بعینه أیضا صفي تاج الدین .. إنه الیوم یراه فلا یكاد یتبینه ، ویجلس إلیه ، فلا یرفع رأسه عن إطراقته ،
ولا یكلمه بغیر آهاته وزفراته.
وهو بعینه ذاك الذي كان سكرتیرا في دیوان الأمیر .. إنه الیوم یدخل الدیوان ، ویرى الأمیر أمامه ، فلا یكاد
یستطیع أن یخفي نشیجه.
ولكنه مع ذلك ظل یكتم سر دائه عن كل مخلوق ، إلا صفیه تاج الدین الذي لم یعد یملك أي وسیلة في محاولة
إسعاده.
أما حینما یهیج به الوجد ویضیق به الكتمان فقد كان یأخذ سمته إلى خلوات الشطآن ، أو في بعض سفوح
الجبال ، حیث یبعث هناك ما شاء من زفراته وأناته ، ویسكب كل ما في عینیه من دموع ویتخذ من الریاح
الساریة من حوله ، والمیاه الجاریة من أمامه جلساء یشكو إلیهم همه ویشرح لهم ناره…
كان یمضي ساعات على شاطئ دجلة ، جالسا إلیه في حدیث طویل ، یسكبه على صفحته الرقراقة ، قائلا:
‘‘أیها المتدفق كدمعي ، الهائج مثل نار شوقي.
ما لي لا أراك في ساعة من لیل أو نهار إلا هائجا زخارا ، لا یقر لك قرار ، ولا یهدأ منك البال ؟!
أم یبدو أنك تعاني مثلي ویلات هذا العشق وجنونه ، وینطوي سرك على حبیب أفقدك القرار والهدوء فهي
الذكرى تثیر في طیات جوانحك هذه الثورة الدائبة ؟
ولكن من یكون معشوقك غیر هذه الجزیرة الخضراء التي تظل دائرا من حولها ؟ ففیم الهیاج إذا ؟ وهي نائمة
بین ذراعیك منازلها مستقرة في قلبك ، یمناك ملتفة منها حول الخصر ، وشمالك مبسوطة فوق عقد النحر.
كل هذا ، ثم لا تشعر بالنعمة ووجوب شكرها ! … تظل ترغي وتزبد . هیاجك یعلو إلى عنان السماء ، وأُوراك
ینبعث صداه إلى دیار بغداد ! ألا قل لي ، ما الذي تبغیه بعد كل ما أنت فیه ؟ وأي أمل ضاع منك ، حتى تظل
حول نفسك من أجله ؟
لقد كان أولى أن یكون نحیبك هذا في حلقي ، وهیاجك في نفسي ، ولقد كنت أجدر منك بأن تعلو إلى السماء
زفراتي ، وأن ینبعث حول هذا البلد أوار قلبي.
فأنا الذي أظل متحاملا بقلبي على خنجر قد غرس فیه نصله . تراءى لعیني منه ، إذ كان بعیدا ، بریق ماء
عذب ، ثم استقر منه في فؤادي سم زعاف لیس له دواء له الیوم!
هو یا دجلة قلب مجدب ، أحرقه وهج الیأس ، فما ضر لو نظرت إلیه مرة أو مررت علیه في تطوافك حول هذا
البساط الأخضر الموشى بالورود وأزهار النرجس والبنفسج ؟ فربما كان أخضرّ فیه أیضا غصن ، أو هفت بین
سمومه نسمة باردة’’.
ثم یلتفت إلى الریاح التي تظل هافة من حوله ، فیتخذ منها رسولا إلى ملیك قلبه ، ویروح یلقنها رسالته إلیه
قائلا:
‘‘أیها النسیم الساري في رقة الروح ، المفتوح أمامه باب كل عزیز وممنوع . هل لك أن تلتفت إلى رجاء
یعرضه علیك هذا المقید الحبوس ؟ إن كان كذلك ، فامض أیها النسیم في اتجاه هذا المشرق ، فسترى فیه شدة
الروعة والجمال ، ومحراب سعادتي وأنسي . فإذا ما وصلت فقف بالأعتاب أولا لتقبلها . ثم ادن إلى ملیك ذلك
الجمال ، ولكن في تواضع ولطف ، لكي تؤدي بین یدیه الثناء اللائق وتقوم له بالتعظیم الملائم . ثم تراجع
خطوات إلى الوراء لتعرض علیه رسالة الروح المستعرة .. قل له إنها من مدعوك الذي دمه مداد قلمه ،
وجسمه المتقد صفحة كتابته.
فإذا ما رأیت رقة بدت ملامحها على وجهه فقل له في أدب ولطف : إنه یا مولاي بائس مسكین .. عاش فترة
في حلم قصیر من عطفك ، ثم سرعان ما تبدد الحلم وضاع العطف ، وغدا یتخبط في دیاجیر البؤس والشقاء .
إنه لیس یدري واالله أي ذنب ارتكبه ، اللهم إلا قلبا یعرف أنه كان یخفق بین جنبیه ، وهو الیوم هارب منه قد
افتقده منذ أمد طویل . ربما كان وهو یخفق بین جوانحه صاحب هوس وهوى یمیل إلیه ، وربما كان قد اقترف
إذ ذاك إثما أو جنى ذنبا ، كأي واحد من هؤلاء الذین خلق معهم النقص والسهو والنسیان . نعم ، للمالك یا
مولاي أن لا یتجاوز عن عصیان عبده ، وأن یتصرف كما یشاء في عقابه . ولكن هل من البعید أیضا أن یتغمده
بعطفه ، وأن تدركه الرحمة له فیدینه إلى ظل حماه ولطفه ..؟
ثم لا تنس أیها الصبا أن تعود إليّ بغبار من تراب ذلك المكان . عد إليّ ولو بقلیل منه ، فإن ذراته رائحة قلبي
وبلسم دائي’’.
أمّا أشد ما یكون تألما واحتراقا ، فذلك عندما یُرى منطویا على نفسه مطرقا في غیبوبة عن كل ما حوله من
مظاهر الدنیا وصور الطبیعة وأفراد الناس.
إنه في تلك الساعة یكون في مشادة دامیة مع قلبه . قلبه الذي أدبر عنه مرة واحدة ولم یعد یتعرف إلیه . إنه
یظل یخاطبه في توجع شدید قائلا:
‘‘-أیها الخائن الغدار … قل لي .. هل تتذكر ..؟
هل تذكر العهود والمواثیق والأیمان ، التي كنت یوما ما تسوقها إليّ جملة واحدة لتؤكد بها مبلغ وفائك
وإخلاصك ؟ هل تذكر إذ كنت تقرر لي في شدة وعزم ، بأنك صادق معي في كل أمر ، وأنك مرتبط بي في كل آن
ووقت.
هل تذكر إذ كنت تفتخر أمامي ، مدعیا بملء شدقك أنك ذو بأس عظیم وتحمل شدید في سبیلي ومن أجلي ؟
هل تذكر إذ كنت تقعد لتطلعني على مدى غرامك العجیب بي . ذلك الغرام الذي یستحیل أن یشغلك عنه أي
شاغل أو یصرفك عنه أي صارف ؟
هل تذكر إذ كنت تتصنع الكبریاء والصلف على الناس كلهم من أجلي ، وتشعرني بامتهانك لكل من على هذه
الأرض في سبیلي ؟
أسفا .. أسفا إذ أطرت كل ذلك الیوم بنفخة من عدرك ، ونسیته مرة واحدة لأول هوى في نفسك ، وتركتني إلى
حیث لا أجد سبیلا للحاق بك والوصول إلیك.
ألا قل لي بأي حق أیها الطائر الأهوج الصغیر تنطلق إلى حیث تشاء تاركا ورائك هذه الروح المعذبة في
محبسها من هذا الجسد ؟
هذه الروح التي خلقت معها توأمین ، وعشتما معا خیر قرینین ، تمد وجودك دائما بسر من فیضها ، وتبث فیك
الاشراق من نورها .حسبك طیشا أیها القلب . وكفاك ابتعادا وتوغلا في المجاهل منفردا عن قبس روحك
وسراجها . فإن الطریق ، ویحیك ، مظلمة . والهدف أمامك بعید.
إنها ، ویحك ، روحك ! روحك التي هي جزء منك إنها أجدر وأولى بحبك من أي روح أخرى تسعى ورائها . إن
كان مقصدك الجمال ، فما أكثر ما أولتك هذه الروح من جمالها وإن كان النور والاشراق ، فمن ذا الذي یغذیك
بأكثر من نورها وإشراقها.
أیها القلب عد . عد لا تخدعنك مفاتن الغرور والأصداغ ولا تصدقن شیئا من ابتسامات الثغور والشفاه ، ولا
یأخذنك سحر العیون النجل ، أو یجذبنك إشراق الوجوه بین ظلمة الشعور الملتویة . فكل هذا الذي یتألق في
عینیك نوره إنما هو نرا وجمر ، سرعان ما یتوقد علیك لهیبا ، وتهلك في لظاه.
وإلا ، فإن مثلك ألف بلبل ، یقضي كل ساعات العمر بین الخمائل والورود في نحیب وآلام .. ثم لا یكون نصیبه
منها إلا كما یكون نصیب الفراشة من اللهب . لظى وضنى واكتواء .. ثم هو بعد ذلك قطعة أدیم یابسة ملقاة في
مهب تلك الورود والأغصان.
أیها القلب أنت معرض نفسك لمجال الهوى والملذات ، مقصدك الوصول إلى صفوها والاستمتاع بنعیمها .
ولكني قد عرفت لك مما قاله لي الطبیب الحاذق لهذا الداء أن شفاءك إنما هو الاحتماء عن مطارح الشهوات ،
ومبتغاك كامن وراء أشواك الریاضة والحرمان . لقد حدثني هذا الطبیب بأن الداء هو بعینه ذاك الرحیق العذب
الذي تهفو وراءه نفسك ، والدواء لیس إلا ذلك العلقم الذي تشتكي منه وتعافه.
أیها القلب ، كیف أكلمك ، وعمّ أحدثك وماذا أقول ؟ لا أراك إلا مدبرا عني ، لاهیا عن حدیثي وصوتي ، كأنك لم
تكن یوما تعرف صاحب هذا الصوت والرجاء’’.
وهنا لا تلبث أن تتضرم هذه الكلمات نارا على القلب المسكین ، ویتصاعد من سویدائه إلى أعلى الرأس فیح
كأنما هو الدخان والیحموم ، وسرعان ما یتلبد هذا الفیح مثل سحاب مركوم في یوم ممطر . ثم ما هو إلا أن
ینهمر بسیل من الدموع الحارة متدفقة من العینین ! هنالك یروح ‘‘ ممو ’’ مستسلما لتلك الدموع في نشوة
وذهول ، ویظل مستروحا بلهیبها ، منتعشا بتدفقها ، بعد أن كادت تخنقه غصة تلك الكلمات في حلقه ، إلى أن
تجف من العین ، وتنعصر منه الحشاشة والكبد ، حیث یعود ثانیة إلى الحرب بین روحه وقلبه ، ویختنق مرة
أخرى بالأحاسیس القاسیة ، ویظل یعاني من غصتها إلى أن ترحمه حشاشته بفیض آخر من الدموع . وهكذا
تظل القصة تتكرر وتعود.
بكى ممو حتى تقرحت عیناه .. ولم یزل یتوجع ویتحرق حتى كادت أن تنطفئ جذوة حیاته . ولم یزل ینهار منه
القوى وتخور فیه العزیمة ویصفر منه الشكل إلى أن طرحته الحمى في مكان ما على شاطئ دجلة وحیدا إلا من
بعض أصدقائه المخلصین الذین كانوا یعودونه ویواسونه بین كل فترة وأخرى.
أما داره في المدینة فقد تركها حتى قبل أن یطرحه المرض ، فقد كان یحاول جاهدا أن لا یعلم أحد من الناس
سریرة قلبه إلا من كان من خاصة أصحابه كتاج الدین ، خشیة أن یبلغ الأمیر ذلك فیزداد إلى قسوته ضرام
الحمیة ، ویذهب خیاله إلى أبعد من الواقع بكثیر

ممو زين – رحلة إلى الصید

كان ذلك في یوم شمسه مشرقة وسماؤه صافیة ، قد ازدانت فیه الطبیعة بأبهى حلة وأبدع وشي ، تلاقت فیه
بهجة الزمان بابتسام الخمائل والورود الریاض تتألق بسندس أخضر وتخفق بنسمات فواحة بالعبیر ، والربا
أكالیل زمردیة فوق جبین الطبیعة نثرت في أطرافها ید الخلاق أبدع ألوان الزهر ، والجبال الشم قد نسجت حول
قممها الخضر آیات خالدة من الجمال والجلال تتطلع إلى عظمة ذلك الجبار الذي أرساها وأقامها ، والأودیة
غاصة بأشجار باسقة ، ینبعث من تلافیف أغصانها غناء مختلف البلابل والأطیار ، وعیون المیاه تنساب بین
كل ذلك في إشراق وبریق ، كأنها وشي من الحلى المتألق في أطراف غانیة
وكان قد أطلق منادى الأمیر قبل ذلك یعلن في شتى أطراف الجزیرة عزم الأمیر على الخروج إلى الصید في ذلك
الیوم ، وأن على كل صاحب قوس أو نبل ، أو ساعد وعزیمة أن یكون في ركاب الأمیر في تلك المباراة التي
سیتولى الإشراف علیها والمشاركة فیها
وفي صبح الیوم الموعود تدفق كل أعیان الجزیرة ووجوهها وذوي البأس والمراس فیها . وفي مقدمتهم
الأمیر وحاشیته إلى خارج المدینة ، وقد تنكب الجمیع أقواسهم وصحبوا كل لوازم الصید وأسبابه ، وتبعهم من
ورائهم معظم أهل الجزیرة من صغیر وكبیر ونساء ورجال ، لیستمتعوا بمشاهدة تلك المباراة الرائعة التي
ستكون تحت إشراف الأمیر…
وسرعان ما انتشر الجمیع بین تلك الأودیة والآكام ، وغابوا متفرقین في شعاف الجبال ، كل یبحث عما
یستطیع أن یفاخر به غیره في المساء . فربما كان نصیب هذا أسداً كاسراً أو نمراً عاتیاً ، یعرض فیه على
الناس مقدار شجاعته وإقدامه . وربما كان نصیب ذاك غزلاناً بدیعة ، یثبت لهم بها خفته وبراعته . وربما جاء
آخر بأشكال نادرة من الطیور والحیوانات . وربما ظهرفیهم من تلقف من كل صنف ونوع ، فراح یهز بینهم
سنانه وقوسه ، ویلوح لهم بساعده القویة ، وقد یأتي من ورائهم من خانه الحظ ولم ینل أي نصیب.
ویمضي الأمیر إذ ذاك موزعا بینهم إعجابه وتقدیره ، ومولیا كلا من المكافأة والقرب ما یستحق.

لقاء الحبیبین
ولندع الآن أولئك الذین تفرقوا في تلك الشعاب منهمكین في شأنهم .. ولنعد أدراجنا إلى داخل العمران الذي
أصبح خاویا من الناس ، ولنأخذ سمتنا إلى القصر .. فسنجد على البعد شبح فتاة واقفة في إحدى نوافذه في
جمود وإطراق . ومع دنو خطواتنا من القصر نتبین أن هذه الفتاة إنما هي ‘‘ زین ’’ . هي تلك الغادة التي كانت
في یوم ما تظل ترقص جنبات القصر بظرفها وخفتها ومرحها . ها هي الیوم ، تقف على هذه النافذة في ذبول
وإطراق ، وقد اثّاقل بها الهم والكرب ، ونال منها الشحوب والضنى ، مسندة رأسها إلى قبضة كفها ، تتأمل
بعین كبار الفلاسفة والحكماء هذا الوجوم المخیم على القصر ومعظم ما وراءه من الأزقة والمیادین . إنها تقرأ
في ذلك المظهر الطارئ من السكون والوجوم معنى الفناء والانتهاء الذي ینتظر كل إنسان من وراء ساعات
لهوه ومرحه ، وتتبین فیه نموذجا عن حالة قلبها المقفر ، الذي طالما ظل مزدهرا بآمال بدیعة محفوفة بالأحلام
الجمیلة ، ثم في مثل طرفة العین احترقت كل تلك الآمال وعصف الدهر برمادها ، وتبددت الأحلام الجمیلة ،
وأیقظها الزمان على غصة البؤس والحرمان.
ولاحت تحت عینیها – وهي في تلك الأثناء – حدیقة القصر وهي كبیرة شاسعة الأطراف تفنن الأمیر في تشكیلها
وإبداعها . جمع فیها كل أشجار الفاكهة وغیرها . ونسق فیما بین ذلك كل أصناف الورود وألوان الأزاهیر التي
ولدتها الطبیعة فوق أي رابیة من الروابي ، أو على أي شاطئ من الشطآن . تنساب فیما بینها جداول رقراقة
تبعث فیما حولها تتمة مظهر الرونق والإبداع.
لاحت لها تلك الحدیقة خالیة .. هادئة ، لا یجوس خلالها أي إنسان ، ولا یرى من بین أغصانها أي مستأنس أو
مستمع ، إلا فراشات تجوب بین تلك الورود ، وطیورا یسمع صوتها من بین أوراق الأغصان . فحدثها خاطرها
– وقد راقها سكون تلك الحدیقة ووافق هواها – بأن تنتهز فرصة وجود بقیة طوق في جسمها وحركة في
أطرافها ، فتخرج من محبسها في هذا القصر لتمشي قلیلا وسط تلك الحدیقة علّها تجد بین نسماتها بردا من
الراحة والانتعاش.
واستجابت زین لهذا الخاطر في نفسها ، فنزلت من القصر متجهة نحو الحدیقة في تحامل وإعیاء شدیدین ،
وقد ارتدت ثوبا بسیطا من الحریرالأبیض الرقیق ، وشدت خصرها من فوقه بمنطقة سوداء منمنمة بنقوش
متفرقة من خیوط الفضة ، أما شعرها فقد جمعته تحت شارة سوداء من القطیفة السمیكة في مثل هیئة طربوش
قصیر یمتد في طرفیه خیطان من الفضة ، وقد أمالت طرفه على جبینها بینما ظل الطرف الآخر مرتفعا عن
الصدغ وقد بدا من تحته شعرها الفاحم المسترسل.
ودخلت الحدیقة ، وراحت تمشي بین جنباتها ، وهي تقلب نظرها في الطیور التي ترفرف بین أغصانها قائلة:
‘‘أیتها الأطیار السعیدة : كان لي بینكم في هذا الروض طائر مسكین ، أسود الحظ ، منكوب الطالع ، وقد غاب
عنه منذ دهر وحلق في الجو منطلقا ولم یعد ! أفلیس منكم من یدري في أي روض استوطن ، وعلى أي غصن
أقام عشّه ؟… وهل فیكم من یحدثني عنه ، أهو حي لا یزال یخفق بجناحیه ، ویغرد فوق أغصانه أم نكبه الدهر
مثلي فطرحه وأضناه.. ؟؟’’
ثم انتهى بها السیر عند شجرة وارفة الظلال . فارتمت عندها ، واستندت إلى جذعها ، وراحت تتأمل ما حولها
من الأزاهیر والورود المختلفة الشكل . ثم ثبتت عیناها على وردة صفراء ، وقد تمیزت ، عن سائر ما حولها
من الورود بصفرتها الفاقعة ، فأثار ذلك اللون حسرتها وأیقظ آلامها … وسرعان ما تخیلتها بائسة أخرى مثلها
، قد اصطبغت بتلك الصفرة مما قاسته في هذا الروض من الوحدة والوحشة ، لیس من یرحمها ، ولا من یرق
لها ، فراحت تخاطبها في رقة وحنان:
‘‘أیتها الوردة الصفراء ، إن اصفرارك هذا واالله قد أحزنني .حدثیني ، أهو لون بؤسك أنت أیضا أیتها
المسكینة أم هو التوجع والرحمة لأمثالي من البائسات ؟ أم هي البلابل . قد انشغلت جمیعها بورودها الحمراء ،
فبقیت وحیدة لیس حولك أي مؤنس أو قرین ؟
آآآه … إنها قصتي ذاتها أیتها المسكینة .! إن لي أختا من أمثال تلك الورود المزدهرة الحمراء ، كان لي
عندلیب طالما توسلت إلیه في إسعادي أنا أیضا به ، ولكنه أبى ، وأبعدني عنه ، وسقاني في بعده ذل البؤس
والهوان’’.
وكأنما شائت الأقدار رحمة لهذین الحبیبین البائسین في ذلك الیوم الذي انصرفت كل الناس فیه من دونهما إلى
اللهو والمرح فقررت أن ترأف بهما في ظل هذا الهدوء . .. فراحت تلقي في تلك الساعة في روع ذلك العاشق
المرتمي منذ حین على فراش المرض ، رغبة ملحة في الحركة .. في السیر .. السیر إلى أيّ جهة!…
فأخذ یتقلب ممو فترة في فراشه ، وهو لا یدري أي سبب لهذا الباعث المفاجئ في نفسه . ثم أزاح عن نفسه
الغطاء وأخذ یجاهد جسمه المتعب في القیام من الفراش الذي ظل حینا من الدهر ملتصقا بجنبه.
ثم نهض فارتدى عبائته الرقیقة ، فوق الحلة البسیطة التي كان یلبسها .. وأخذ یمشي..
أخذ یمشي في الطریق التي تمتد أمام عینیه ، دون أن یحدد لنفسه أي اتجاه ، ولم یزل سائرا في تحامل وجهد
إلى أن وجد نفسه بین أسواق المدینة الخالیة . فأدرك من الهدوء السائد في معظم جهاتها أن الناس قد خرجوا
وراء الأمیر وصحبه في رحلته إلى الصید للنزهة . ولاحت لعینیه خضرة زاهیة في بعض نواحي المدینة فهفت
نفسه إلى أن یتوجه نحوها ، ویتمم سیره إلیها ، دون أن ینتبه إلى تلك الخضرة ماذا تكون ، وفي أي مكان تقع
.
وبعد قلیل كان ممو یقف في جهد وإعیاء أمام حدیقة الأمیر زین الدین ، ینظر من وراء سورها إلى جوها
الرائع ، ویتأمل هدوئها الكامل ، وخلو جنباتها عما سوى الطیور . ووجد في نفسه بعد ذلك النصب الشدید
الذي لاقاه شوقا قویا إلى أن یستریح قلیلا في فیئ شجرة من أشجارها . فمضى متجا نحو بابها المؤدي إلى
الداخل ، وقد كاد یسقط من الإعیاء.
ولم تكن سوى دقائق حتى لاح لعیني زین – وهي لا تزال في مكانها عند ساق الشجرة – شبح ممو على البعد ،
قادما من بین الأغصان ..! وكانت المفاجأة شدیدة على نفسها … وكانت الفرحة أكبر من قلبها .. فما إن أخذت
تحدق النظر فیه لتتأكد أهو خیال من خیالات أوهامها ، أم معجزة حققها االله لها ، حتى غرب عنها الإحساس
وطمت علیها الدهشة ، ووقعت مغمى علیها ببین تلك الحشائش والأشجار.
أما ممو فإنه أخذ یسیر مستروحا ظلال تلك الخمیلة البدیعة التي طالت غیبته عنها دون أن یدرك شیئا مما
حوله . وكان أول ما انتبهت إلیه عیناه في سیره تلك البلابل التي لا تفتأ تتنقل بین أغصان الورود في تغرید لا
ینقطع . فراح یتأمل فینة وهو یقول:
‘‘-فیم كل هذا الهلع أیها الطائر الصغیر ؟ إن وردتي التي شغفت بها أزهى من ورودك جمالا ، والحظ الذي
نكبت به أشد من حظك سوادا ومع ذلك فها أنا أذوب وجدا ولا یسمع مني أي نحیب أو صوت.
أیها الطائر ، لقد كان جدیرا بك أن تتألم وتتوجع لو أن ریاض الدنیا لیس في جمیعها إلا وردة واحدة ، كما هو
الشأن معي أما وإنه لیس من هذه الأزهار في أي روضة من الریاض أو إلى جانب أي غدیر من الغدران ، أو
في أي سفح من سفوح هذه الجبال ، فلیس التعلق بها موجبا لأي قلق أو شوق إلى هذا الحد.
ولكن قي لي ماذا یصنع وبم یتأسى ذلك الطائر الذي تولّله بوردة لم تجد الدنیا بمثلها ! ثم حرمه الدهر من
قربها ، وأبعده حتى عن روضها ، وتركه وحیدا في قفص الوحشة والأحزان ؟.’’
وهكذا ظلت أفكار ممو وهو یمشي في وسط الحدیقة منصرفة إلى مثل هذه الأحادیث مع كل ما یبصره من حوله
من الأطیار والورود والأعصان ، إلى أن وجد نفسه فجأة أمام جثة فتاتة ممتدة فوق تلك الحشائش ، ولم یكد
ینتبه إلیها ، ویمعن النظر لیتبینها حتى دارت الأرض من حول رأسه دورة بددت كل ذرات شعوره ، وألقته في
یم من الغشیة والنسیان ، وهوى صریعا على مقربة من جثة زین.
وشیئا فشیئا أخذت زین تستفیق من غشیتها لترى ممو الذي أبصرته یمشي في الحدیقة منذ قلیل ملقى إلى
جانبها . فعادت إلیها الدهشة والذهول . وأخذت تحدق النظر في كل ما حولها .. في جدول الماء الذي ینساب
أمامها ، في الورود التي إلى جانبها ، في ممو وهیأته ، كأنما تتسائل أهي في حلم من الأحلام أم إنها حقیقة
واقعة صحیحة.. ؟
ثم استعادت كامل رشدها .. وأیقنت أنها نعمة ورحمة من الأقدار التي أرادت أن تسعدها في هذا الیوم .. ودنت
لأول مرة بعد یوم مهرجان الربیع إلى حبیبها الملقى إلى جانبها ، فاخذت تلحظه بعینیها الفاتنتین ، وقد عاد
إلیهما إشعاعهما بعد أن اختفى عنهما حینا من الدهر . ثم رفقعت رأسه بیمینها في رفق ، ومدت ركبتها من
تحته ، وأسندته إلیها ، وراحت تحاول في رقة ولطف إیقاظه من غمرته . وبعد فترة من الوقت تفتحت عیناه.
فتح عینیه .. فرأى رأسه فوق ركبة حبیبته زین … ورأى أجمل وجه في الدنیا یطل علیه بثغر باسم وعین
دامعة ورأى یمینها ممتدة فوق صدره الخفاق في حنو.
ورفع رأسه .. وأخذ یجیل النظر فیها .. وفي نفسه .. وفي سائر ما حوله .. دون أن یدور لسان أحدهما بكلمة .
هذا أسكتته الدهشة .. وتلك عقد لسانها الحیاء .. ثم أمعن ممو في وجه ‘‘ زین ’’ قائلا:
‘‘ماذا ..؟ ألست أنت زین ..؟ ألست أنت قلبي .. قلبي الذي فقدته من بین جنبي ؟ ولكن .. أتراني في منام رائع
.. أم نحن في الحیاة الأخرى ..؟ في جنان الخلد ’’ !!
فقالت له زین وقد أخذت كفه في كفها ، كیما یؤوب إلیه رشده:
‘‘بل أنا زین بحقیقتها یا حبیبي . ونحن هنا في الحدیقة ، حدیقة قصرنا ألست تذكر’’.
وأخذ انتباه ممو یتكامل بعد أن انتهى إلى سمعه صوت زین الرقیق العذب ، وآمن بالحقیقة .. وعلم أنها الساعة
التي طالما استرحم الزمان بدموعه أن یحقق لحظة منها ، وعاد ینظر إلى زین من جدید . وأخذ یسرح النظر
في عینیها الساجیتین اللتین تنظران إلیه بفتنة مبتسمة مستسلمة كأنما تقول :‘‘ إن هاتین العینین من أجلك
…’’ وفي ثغرها الرقراق البدیع ، وفي ملامح وجهها التي تشع بكل ما في روحها من جمال ولطف ، وفي
شعرها الفاحم المسترسل حول وجهها من تحت الشارة المائلة على جبینها.
وسكت … ثم قال لها في نشوة حالمة : ‘‘ أنت واالله جمیلة جدا ورائعة یا زین ’’ .. فأجابته : ‘‘ أنت كل جمالي
وسحري وروعتي یا ممو . فها أنت ترى كیف فقدت كل ذلك مذ فقدتك فلا تبحث فيّ الیوم عن شيء من ذلك
الجمال الذي أسكرك منذ أول ما التقینا’’…
فدنا منها قائلا:
‘‘لا یا زین . إنك الیوم واالله لأجمل مما كنت من قبل . وها أنا ذا ألمح بین أیات هذا الجمال سطورا جدیدة لم
تكن . عیناك … إن فیهما أسمى مما یقال عنه الفتنة والسحر . فیهما معنى رائع ، احتارت في معرفته روحي ،
فكیف یستطیع التعبیر عنه لساني ..؟ ثغرك … إن خمره الیوم لتبدو أشد إسكارا ، وابتسامته أكثر فتنة وجمالا .
أما هذا الذبول المتهدل على ملامحك فلیس إلا آیة جدیدة بین آیات هذا الجمال الساحر ، ولست أجده في
استرخائه ملامح وجهك البدیع كالأهداب الناعسة ، إذ تسترخي على العینین الفاتنیتین’’…
وقطع حدیثة فجأة .. كأنما أسكتته وخزة ألیمة شعر بها في نفسه ، ثم أطرق یقول في هدوء محدثا نفسه:
‘‘ولكن مالي ومال الحدیث عن الجمال الذي لم أصل إلیه ولن أملك منه شیئا ، ما لي وأنا المسكین الذي قضت
علیه الأقدار بالحرمان ، أتطاول بهذا الكلام إلى البدر الذي لست أهلا للصعود إلیه ؟ لي أن أتوسد البیداء التي
أتیت منها ، أما هذا الروض فإن له أهله الذین سیجلسون فیه ویستمتعون به’’..
ثم قطعت غصة البكاء حدیثه ، وراح یجهش في بكاء حار ألیم ! وامتد لهیب دموعه إلى قلب زین فأخذت بكف
ممو تبلله بدموعها قائلة:
‘‘أقسم یا ممو بالدموع التي أحییت بها اللیالي السود ، وبالزفرات التي أذبت فیها بهائي الذي أعجبت به ،
وبالخلوات التي لم یكن یترائى لي فیها سوى رسمك ، أنني لن أعوّض عنك إلا بوحشة القبر ، ولن یعانقني من
بعدك إلا شبح الموت ، وسأكون وقفا من أجلك ، فإما أن یكون وصالنا في هذه الدنیا ، وإما في الحیاة الآخرة
…‘‘
ثم أنهما خشیا أن تلمحهما عین أو تسمع حدیثهما أذن في ذلك المكان . فقاما ، واتجها إلى قاعة الحدیقة التي
كانت مقامة في وسطها . وهناك جلسا یتواسیان .. ویشرحان الهموم والأحزان .. ویتشاكیان من فتنة الدهر
وأهله .. وراح بهما ذلك الحدیث واللقاء في نشوة حالمة أسكرتهما عن الدنیا وما فیها.

الوفاء
انتهت الشمس إلى مغیبها ، وعادت فلول الناس الذین كانوا غائبین في الریاض إلى بیوتهم ، ودبت الحیاة في
المدینة ثانیة بعد الوجوم الطویل ، والحبیبان السعیدان لا یزالان في مجلسهما ذاك ، منتشیین بخمر اللقاء ،
وغاب عن فكرهما معنى الزمن وحدوده فلا یشعر أحدهما منه بشيء.
وعاد الأمیر وصحبه من الصید .. وجاءوا یؤمون الحدیقة لیطلقوا في أنحائها ما صادوه من الغزلان والخشاف
ونحو ذلك … وامتلأت الحدیقة بالناس .. وثارت الأصواتوالضجة في كل جهاتها ، والحبیبان لا یزالان في
غشیة تامة عن كل ما یطوف حولهما.
وأحس الأمیر وهو واقف مع صحبه فیإحدى جهات الحدیقة بالتعب یسري في مفاصله ، وشعر بالحاجة إلى أن
یستریح مع صحبه قلیلا فتوجهوا حمیعا وفیهم تاج الدین وشقیقاه وبكر إلى القاعة .. القاعة التي لا یزال ممو
وزین یتبادلان فیغبش ظلامهما حدیث الحب في ذهول عن كل شيء . ولم یستیقظا من نشوتهما تلك إلا حینما
داهمتهما الأشباح .. وأغلقت أمام عینیهما فضاء باب القاعة!…
هنالك انتبه كل منهما إلى ما حوله .. وأسقط في أیدیهما…
وهنالك .. لم یكن من زین إلا أن اندست تحت عباءة ممو وتضائلت خلفه . بینما دخل الأمیر الفاعة ، ومن خلفه
جماعته ، لیجدوا شبحا منزویا في ركن من أركانها وسط ذلك الغبش من الظلام …! فصرخ الأمیر فیه قائلا:
‘‘من هذا القابع هنا ، وسط هذه الظلمة ، من غیر أي رخصة أو استئذان… ؟’’
فاستجمع ممو جرأته ، ثم قال ، دون أن یتحرك من مكانه:
‘‘أنا ممو یا مولاي الأمیر … لم یكن یخفى على مولاي أنني كنت أعاني إلى هذا الیوم مرضا شدیدا أقعدني
فیالفراش ، مما منعني عناللحوق بركب مولاي إلى الصید . غیر أنه أدركتني في هذه الأمسیة وحشة الإنفراد ،
فغادرت الفراش لأمشي قلیلا .. ووجدتني أمام هذه الحدیقة .. فاشتهیت الراحة فیها بضع دقائق’’..
فقال له الأمیر ، وهو یتوجه إلى الركن الأعلى في المكان لیجلس فیه:
‘‘حسنا . وكیف حالك الیوم …؟ وهلا أسرجت لنفسك …؟؟ ’’
فقال : ‘‘ لو وجدت في نفسي الطاقة إلى ذلك لقمت بواجب التحیة .. ونهضت من مكاني لقدوم مولاي .. ولكن
أرجو أن یعذرني ویعفو عن تقصیري’’..
وأسرج المكان وجلس القوم .. وأخذ تاج الدین یلحظ ممو من مكانه في المجلس ، ویقرأ في وجهه وفي هیأة
جلوسه وجمودها دلائل ارتباك لم ینتبه غیره إلیها ، إذ كان هو الوحید الذي یدري سر قلبه وآلام نفسه ،
وساوره القلق .. وتطلعت نفسه إلى نعرفة السر الحقیقي لجلوس ممو هنا … في هذا الوقت … بهذا الشكل !!
فانتهز فرصة طلب الأمیر كأسا من الماء بینما راحت عیناه تسألانه عن حكایته وسره .. فلم یكن من ممو إلا أن
مد یده في هدوء إلى داخل العبائة ، وأخرج له طرفا من ضفیرة زین یریه إیاها..
فرفع تاج الدین رأسه وقد أذهله الأمر .. وأدرك أن خلیله بین یدي كارثة قریبة .. ما من ریب فیأنها ستأتي
على حیاته . وأخذ حاول السیطرة والضغط على أعصابه لیتصنع الهدوء اللازم ، بینما راح عقله یبحث في
ثورة لاهبة عن أي وسیلة لإنقاذ حیاة صدیقه من فاجعة محققة.
ولاحت لذهنه الفكرة … فكرو واحدة لم یجد أمامه سواها فتظاهر في لباقة بالحاجة إلى الإختفاء قلیلا في بعض
جهات القصر . وما هو إلا أن انثنى خلف باب القاعة حتى أسلم ساقیه إلى الریح متجها نحو داره!..
ودخل الدار لاهثا ، وعلى ملامح وجهه ثورة كالجنون . فاستقبلته زوجته في رعب شدید ودهشة قائلة:
‘‘ماذا.. . ماذا حدث هل هناك أي عدو ؟’’ !
فأجابها بصوت خافت كي لا یسمعه أحد وهو یسرع إلى الداخل:
‘‘علیك أن تسرعي بإنقاذ طفلك وما خف حمله من هنا . أما أنا فیجب أن أبادر إلى إحراق هذا القصر’’ !..
ثم تابع حدیثه وهو في عجلة مضطربة نحو مكان الوقود قائلا:
‘‘إن ممو و زین واقعان تحت ورطة عظیمة ، في انتظار كارثة محققة توشك أن تقع بهما . ولا بد أن أسرع
في مسابقة هذه الكارثة لأقضي علیها قبل أن تقضي هي علیهما’’..
ثم راح یشعل النار في أثاث ذلك القصر الرائع وجنباته بسرعة ثائرة وهو یقول:
‘‘لقد ظل الناس یطفئون النار بالماء ، ولكن ها أنا الیوم سأطفى النار بالنار’’…
وفي مثل غمضة عین انطلقت ألسنة اللهب تتصاعد من نوافذ ذلك الصرح الذي شیده تاج الدین على أحسن ما
تخیلته أحلام حبه جمالا وبذخا وإتقانا ، وأخذت النیران تسري في ذلك الأبنوس المنقوش والأثاث الرائع ، في
سبیل إنقاذ صدیقه .. والوفاء له!..
وانطلق تاج الدین یستنجد .. وراح الخبر یسري في كل مكان .. وسرعان ما وصل النبأ إلى الأمیر وصحبه وهم
في مجلسهم ذلك .. فهبوا جمیعا في اندفاع وذهول یسرعون إلى النجدة والإطفاء .. بینما تباطأ ممو في مجلسه
إلى أن خلت القاعة تماما .. وهناك تنفس الصعداء والتفت إلى زین قائلا:
‘‘أرأیت كیف ضحى تاج الدین بقصره من أجل إنقاذنا ؟! والآن وداعا یا زین .. فعلي أن أدرك القوم لإطفاء
هذه النار ، أما أنت فینبغي أن تسرعي الآن وتعودي إلى القصر’’…

ممو زين – وقفة عابرة

أیها الساقي حسبي … حسبي فإن العقل لا یزال مخمورا ویوم عمري قد أدركه المغیب ، وأخشى أن یداهمني
سلطان الأجل كما داهم الأمیر ممو ثم لا أجد من حولي خلیلا وفیا مثل تاج الدین ینجیني وینقذني..
أیها الساقي ، لقد عفت واالله كؤوس هذه الأوهام الكاذبة .. فأبعدها عن شفتي .. أبعدها ، فلقد كفاني عربدة
حول بریق هذا السراب .. أبعدها ویحك قبل أن یطرحني وهج الشمس أمام رقراقه الكاذب ، ویتلفني هناك الظمأ
والضنى…
ولكن .. ولكن حدثني ، ألیس بین زجاجاتك هذه ما فیه تلك الخمرة الأخرى ..؟ تلك الخمرة التي تعلو بي إلى
رحاب القدس ، وتسكرني بروعة الجمال الخالد .. وتنشلني من بین هذه الأوهام الفانیة وبریقها الخداع.
آه ما أحوجني إلى كأس قد اعتصرت من جنى الروح الصافیة عن شوائب الدنیا .. ما أحوجني إلى كأس
تسكرني سكرة تاج الدین بخمر إخلاصه ونشوة وفائه ، لكي أعلو بها فوق هام هذه المادة ، وأسحق بریقها
تحت قدمي في سبیل الروح التي أعزها ، والوفاء الذي أدین به.
ماذا یفیدني تألق القصر الذي ضمني ، وبریق السریر الذي أمتد علیه ، إذا كانت الروح التي یصافحها قلبي قد
أشرقت على الانطفاء ثم لم أفدها بنور ذلك القصر والزینة والسریر ؟ وماذا یضیرني من اللهب المتصاعد من
حولي ، إذا كان بعیدا عن قلبي تاركا له برد سلامته وذخیرة حبه ؟.
هذه المادة الفانیة ، ما أثمنها في القلب ، وأبعثها للنشوة في النفس ، عندما تكون فداء للمعاني القدسیة الخالدة
. وما أخسها في الید وأهونها على هذه الأرض عندما تتكبر متطاولة إلى مركز البقاء والخلود…

عودة الفتنة

لم یكن سلطان الحب یوما لیجلس فوق عرش القلوب من وراء الستر المرخاة والحجب المسدلة . ولیطل وقت
اختفائه عن الأنظار والأسماع مهما طال ، فلا بد أخیرا أن یهتك كل ما یحیط به من حجب ، ولا بد أن یتراءى
أمام الناس في جبروته القوي ، وسلطانه القاهر ، ولا بد أخیرا أن یعلن عن نفسه وعن شوكته سواء أرضي
الناس أم غضبوا…
ولقد استطاع ممو وزین حینا من الزمن أن یخفیا عن الناس سریرة حبهما ، وأن یحجبا عنهم جبروت هذا
السلطان الذي یتحكم في قلب كل منهما من غیر رحمة ، ولكن هذه الطاقة لم تدم لهما طویلا .. فسرعان ما هتك
من حول قلبیهما الستر ، وانترثرت مدامعهما بین أبصار الناس ، وراحت الألسن تتحدث عن حبهما ، وتتخذ
من خبرهما لحنا یسري إلى كل مكان ، وینتهي إلى سمع السادة والعبید ، وراحت التعلیقات المتخیلة تنسج
حول ذینك المسكینین البریئین اللذین لم یذوقا من الحب إلا صابه وعلقمه أقاویل كاذبة . وتسرب الخبر إلى ‘‘
بكر. ’’
تسرب الخبر أیضا إلى سمع هذا الحبیث ، فراح یلفقه ویجمع خیوطه ویجري وراء الإیضاحات اللازمة له .
وفي یوم ما كان قد انتهز الفرصة ، وراح ینشر كل ما سمعه من الأفواه ، وتلقفه من المجالس بین یدي الأمیر
وسمعه!…
فثار جنون الأمیر – ویا لجنون الأمراء حین یثور – واشتعل الدم لهیبا في كل جسمه ، وراحت عیناه المتألقتان
تشعان بشرر یكاد یحرق ما حوله ، وقام یذرع المكان الذي لیس فیه إلا هو وذلك الخبیث جیئة وذهابا ، وتقلبت
على ذهنه المستعر أفكار جهنمیة شتى . فقد كان یدفعه الغیظ مرة إلى أن ینطلق من توِّه بنفسه إلى حیث یجد
ممو منفردا فیطیر رأسه ، ثم یعود دون أن یعلم بالأمر أحد ، ویدعوه جنونه أخرى إلى أن یعلنها حربا لاهبة
على ممو وصاحبه تاج الدین وكل أعوانهما.
ولكنه عاد أخیرا ، فتذكر أن هذا الذي یخبره بهذا النبأ حاجب حقیر فتان . لا یستأهل إثارة غضبه قبل أن یتریث
ویتحقق . فنظر إلیه وقد راحت عیناه تنفجران بكل تلك الثورة والغضبة علیه وحده قائلا:
‘‘یبدو أیها الحقیر الوغد ، أنه یعجبك كثیرا منظر الدماء المسفوكة ..! ولكن إعلم أن هذه الدماء لن تسفك إلا
من مذابحك ، إن لم تخلق أمامي البرهان القاطع لهذا الذي تقول.’’
فجمدت ملامح بكر قلیلا ، وزاغ عقله من صدمة ذلك التهدید .. ثم عاد فتمالك رشده قائلا:
‘‘یستطیع مولاي أن یتحقق من هذا الذي أقول إذا دعا ممو إلى مبارزة بالشطرنج الذي یفتخر بالمهارة في
لعبه . ولیكن الشرط بینه وبین مولاي أن یحقق المغلوب للغالب كل ما یقترحه ویتمناه . فسوف یضطر إلى
كشف ذات نفسه وعشقه للأمیرة زین سواء أصبح غالبا أم مغلوبا عندما یطلب منه مولاي ذلك’’..
فأعجب الأمیربهذا الرأي .. وسرعان ما التفت فدعا خدمه ، وأمرهم بإعداد القاعة الكبرى – وهي القاعة التي
كان یتخذ فیها مجلسه للهو والمرح – وتهیئتها لسمر حافل تلك اللیلة ، بینما بعث بعض غلمانه الآخرین وراء
ممو لیأتوه به ، ویبلغوه دعوة الأمیر له للحضور إلى سمر في القصر…
وراح الأمیر ینتظر .. وفي قلبه مثل الجمر اللاهب ، ودمه یغلي في رأسه . إنه في ظمأ شدید إلى أن یعرف ..
إلى أن یعرف حقیقة هذه العاصفة التي نقلها له بكر ، لكي یشفي بعد ذلك غیظه ، ویتصرف في الأمر على
النحو الذي یشاء…
وجاء المساء . وهیئ مجلس الأمیر كما أراد .. ووضعت منضدة الشطرنج المرصعة بالذهب في وسط المكان ،
وقد صفت من فوقها أحجارها العاجیة النادرة . وامتلأت القاعة بالخاصة من حاشیة الأمیر ورجاله ، إلا تاج
الدین وشقیقیه ، فقد تعمد الأمیر أن لا یبعث ورائهم . وغصت سائر أطرافها بالحرس والخدم ، واقفین على
أرجلهم صفوفا في أحسن لباسهم وكامل أسلحتهم.
ودخل الأمیر . وهب المجلس قائما ، بینما راح هو یأخذ طریقه إلى الأریكة المقامة له في صدر المجلس .
وجلس الأمیر .. وسكت الحاضرون .. وأخذ یقلب عینیه فیهم في هدوء ورهبة إلى أن وقع بصره على ممو ،
فمد إلیه رأسه وقد إتكأ على جانب من أریكته قائلا:
‘‘سمعنا أنك تزعم لنفسك مهارة في لعب الشطرنج یا ممو . فهل لك أن تعرض أمامنا اللیلة مهارتك هذه ،
وتقوم لنا بالمبارزة والنضال’’.
فأجاب ممو في هدوء ، وقد أدهشته القسوة التي شعر بها في نبرات كلامه : ‘‘ لم یكن لي یوما ما أدعي یا
مولاي أمامكم هذه المهارة ، ولكن لمولاي السمع والطاعة إذا أمرني بما شاء.’’
فنهض الأمیر إلى منضدة الشطرنج یشیرإلیه ، قائلا:
‘‘بل قم .. فإن بیننا وبینك اللیلة حربا لا بد أن تتقدم إلیها’’…
وقام ممو من مجلسه وقد أوجس خیفة في نفسه .. فجلس تلقاء الأمیر ومن بینهما المنضدة . وقبل أن یبدأ
باللعب قال له الأمیر:
‘‘إن الشرط الذي بیننا وبینك هو أنه یجب على الطرف المغلوب ثلاث مرات أن یحقق كل ما یقترحه الطرف
الغالب ویتمناه’’
وكان في المجلس ابن شاب للأمیر یخلص الود لممو اسمه ‘‘ كركون ’’ ولم یكن یخفى علیه ما بینه وبین
عمته زین من الحب .. وقد ألم بطرف مما في نفس أبیه من الموجدة علیه ، وخشي أن ینتهي ذلك المجلس بأي
عقاب أو بلاء ینزل بممو . فتسلل من قصره ، وانطلق متوجها إلى تاج الدین یخبره بالأمر ، كیما یحضر لیهون
الأمر إذا حدث شيء ، بما له من قرب إلى الأمیر.
ولم تكن سوى دقائق حتى كان كل من تاج الدین وجكو وعارف قد اتخذ مكانه في ذلك المجلس ، یترقبون ما
سیحدث…
وتغلب ممو على الأمیر مرتین متوالیتین .. وأخذا یبدآن بالمرة الثالثة وقد أعجب الأمیر بدهائه ومهارته ، وبدا
على وجه ممو وهو منكب على اللعب في استغراق شدید إشراق واضح من الأمل والسرور.
بینما راح بكر الذي كان یرمقه من بعید ، یطوف حول نفسه في قلق بحثا عن أي حیلة یتعثر بها ممو عن
التغلب على الأمیر في هذه المرة . إذ لا شك أن نجاحه یعني ضرورة وفاء الأمیر له بالوعد ، وذلك یعني زواج
ممو من زین…
وفي تلك الأثناء لمح بكر زینا واقفة مع فتیات من القصر أمام النافذه المطلة من أعلى جدار القاعة المقابل
لظهر ممو ، ترقب اللعب باهتمام .. فالتفت إلى الأمیر قائلا:
‘‘ولكن كان على مولاي أن یستبدل المكان من خصمه بین حین وآخر كما هو الشأن في اللعب’’…
فنهض كل من المتبارزین ، واستبدلا مكانیهما دون أن یدرك أحد الحیلة التي استهدفها .. وما إن مرت لحظات
حتى انخطفت عینا ممو إلى أعلى جدار القاعة الذي یقابله ، لیجد زینا واقفة أمامه ترمقه
وهنالك تشتت ذهنه ، وعبثا راح یحاول جمع فكره والتغلب على الأمیر كانت عیناه لا تنفكان عالقتین بالاعلى ،
ویده تعثو بالعساكر والفرسان من غیر هدى ، یفدي الجنود مرة بالخیول ، ویخلط أخرى بین الفیل والوزیر
وكانت النتیجة أن تغلب الأمیر علیه خمس مرات متوالیات وختم اللعب على ذلك !
وعاد الأمیر إلى مكانه وقد غشي ممو الخجل والحیاء فنظر إلیه قائلا:
‘‘إیه أنسیت الشرط یا ممو ؟’’
فأجابه ممو وقد توزعت أحساسیسه بین الغضب من المكیدة التي انتبه إلیها والخجل من الإخفاق الذي انتهى
إلیه:
‘‘لا …فلیتفضل مولاي بالأمر بما أشاء’’ ..
فقال له الأمیر :‘‘ إنك لست تجهل أننا لن نطلب منك مالا تغنینا به ، أو جاها ترفعنا إلیه . و إنما یعنینا أن
نعرف السرائر … فحدثنا عن قلبك . قل لنا من هي التي تكن لها حبا ، وتمني شبابك بها ، كي ننظر .. فإن كانت
لائقة لك ، حاولنا إسعادك بها’’…
فأطرق ممو قلیلا ، كأنما أخذت نفسه تحوم حول تفسیر هذه الكلمات التي ألقیت إلیه . وانتهز بكر فرصة هذه
الإطراقة منه ، فقال:
‘‘یا مولاي : یبدو أن ممو خجل من أن یكشف للأمیر النقاب عن تلك التي یهواها . فلقد كنت رأیتها مرة ،
وعلمت أنها جاریة سوداء معیبة ، لا یلیق أن یتحدث عنها في مجلس الأمیر’’…
فأثار هذا الكلام غضب ممو ، والهبته حمیته وإبائه ، وأخذ ینبض في مشاعره عرق العزة والمجد . وأسكرت
الطعنة عقله . فنسي الأمیر الذي أمامه ، والناس الذین من حوله ، وانتفض منتشیا یقول لبكر:
كذبت واالله أیها الحقیر النذل ، فما تلك الصفة إلا قرینة خستك ، وكفؤ دنائتك . أما التي عندها قلبي ، فرفیعة
المجد ، لیس لذلك البدر أن یتسامى إلیها ، رائعة الجمال ، لا تبلغ الشمس أن تكون أختا لها … أصیلة النسب
لیس لغیرها في هذه البلاد أن ینازعها فخر ذلك . إنها أكمل أنثى أبدعتها ید الخلاق.
إنها … إنها أمیرة هذه الجزیرة ’’ !…
وما كاد أن یطلق هذه الكلمة الأخیرة من فمه حتى قاطعه الأمیر وقد صوب نحوه فوهة الغضب قائلا:
‘‘ولأجل ذلك ، فأنت لا تخجل من استطالتك إلى تلك المكانة بالغرام بها ، مدنسا بدنائتك قصري هذا …؟’’
ثم التفت إلى الحرس الواقفین على الأبواب وصرخ فیهم قائلا:
‘‘ما وقوفكم وانتظاركم بعد هذا ؟ هیا .. فاقطعوا الرأس الذي تطاول فیه هذا اللسان فقد آن أن یعتبر بع غیره
…‘‘
وقبل أن ینقض الحرس على ممو ، هب من عرض المجلس ثلاثة أبطال أشقاء ، كل منهم هامة ، وساعد ،
وقامة ..! وقد ظهر في یمین كل منهم خنجر یلتهب . وراح أوسطهم وهو تاج الدین یصعق في أولئك الشرطة
الذین بادروا إلى ممو .. قائلا:
‘‘مكانكم أیها الاوغاد ، فلستم سكارى ولا مجانین حتى تتجاهلو بطشنا ! أم أنكم نسیتم ذلك الكثیر الذي
لاقیتموه من أیدینا …؟
ربما تستطیعون أن تصلوا إلى ممو ، ولكن بعد أن نحقن ما حوله بلجة من دمائكم ، وتتخذوا إلیه جسرا من
مئات منكم’’..
ثم دار رأسه نحو الأمیر ، یرمقه بطرف عینه قائلا:
‘‘أما مولانا الامیر .. فله إذا شاء التصرف أن یتصرف فیما یرید بنفسه .. فإن له في أیدینا قیودا من نعمته
وسلطانه … قد لا یكون من المناسب أن ننكرها’’..
وبعد قلیل نهض الأمیر بنفسه إلى ممو فقید یدیه ، وأمر به إلى السجن !.. وسكت تاج الدین وشقیقاه وقد
تجرعوا غصة السم نزل إلى قلوبهم . ولكنهم لم یجدوا من الحكمة – وقد نزل الامیر في حكمه من القتل إلى
الحبس – أن یلحوا في العناد مرة واحدة ورأوا أن یرجئوا محاولة العفو عنه إلى وقت أخر یكون الأمیر فیه أهدأ
ثورة وأخف غضبا.
ثم فض المجلس ، وانصرف الناس في وجوم و حزن . بینما كان ممو یتخذ طریقه إلى قاع السجن!

ممو زين – صفاء الروح

حكم الفلك أزلي قدیم ، وإصرار الدهر قضاء لا یتراجع ، وأمر االله قدر لا بد له من نفاذ.
فماذا یغني التأوه ولضجر ، وأي فائدة یجني الألم والتوجه ، وأي نتیجة تأتي بها القوة والانفعال إذا كانت
سطور القضاء حاكمة بالبؤس والسجن والحرمان ؟!
على أن السجن الذي انتهى القدر بممو إلیه لم یكن كأي سجن آخر ، وإنما كان مغارة ممتدة في قاع الأرض ،
ضیقة الأعلى متسعة الأسفل لا یكاد یمتد شيء من ضیاء الدنیا أو نور الشمس إلى داخلها ، اللهم إلا من تلك
الكوة العلیا ، التي هي وحدها الباب والنافذة والمنور وكل شيء.
وأنزل ممو إلى قاع الزنزانة التي استقبلته مظلمة موحشة خالیة من أي أحد غیره . فالتف حول عینیه الظلام
الذي داهمه ولم یعد یبصرشیئا سوى أشبح السواد المدلهمة المطبقة من حوله ، فجمد قلیلا في مكانه بین ذلك
الظلام الدامس ، وراح یخطو في حذر متلمسا بیدیه الهواء ، إلى أن مسّتا الزنزانة وهناك وقف مستندا إلیه ،
وقد ترنح بین أمواج من الذكریات أخذت تنبعث من نفسه البائسة…
تكر شبابه الغص وقوته النابضة … عزته وبأسه .. إذ كان هو وتاج الدین من أسعد الناس ، ولم یكن قد مس
قلبیهما شيء من هذه الآلام . ثم تذكر میلاد هذا الشقاء في قلبه ، ویومه البهیج المرح الذي قضیاه معا ،
والسكرة التي غشیتهما في مسائه…
وتذكر الآلام .. والآمال التي ترعرعت في نفسه ، والتي شبت وأخذت تزدهر في قلبه أیام فرح تاج الدین
ولیالي عرسه وكیف كان یمني نفسه بمثل تلك البهجة والأفراح في عرسه هو أیضا … وتذكر بعد ذلك خیبة
آماله ، وتصدع قلبه .. قلبه الذي لم یرحمه أحد ، ولم یعطف علیه إنسان ، وراح یستعرض اللیالي التي أحیاها
بالزفرات على ضفاف دجلة ، حیث لا مخلوق یبصره أو یشعر به ، والدموع التي قرحت عینیه ، وروى بها
الآكام والسفوح ، حیث لم تكن هناك أي عین أخرى تواسیه بدمعة ! ثم تلك السویعات الجمیلة … التي كانت كل
أیام سعادته من دنیاه ، والتي شهدتها نسمات ذلك الروض وورده . ثم تصور كیف عاد اللیل بعد ذلك إلى قلبه
فأغطش .. وراح یكابد ألوان الشقاء الذي كتبه له الدهر : هذا الظلم له من الناس دون أي جریرة أو موبقة
ارتكبها .. افتراآتهم علیه ، واستعانتهم بدموعه وآلامه .. وضع شباك المكر والفتنة في طریق سعادته ..
وأخیرا هذا الغضب علیه من الأمیر .. الأمیر الذي لم یترك له فوق بؤسه وحرمانه حتى حریته التي كان یهیم
بها على وجهه ، لیسري عن نفسه بمظاهر الطبیعة التي كانت الشيء الوحید الذي له أن یشارك الناس في
رؤیته والاستمتاع به . لقد أبى إلا أن یعصب عینیه بهذا الظلام حتى لا یرى شیئا من ذلك ، وأبى إلا أن یحبسه
في هذه الموحشة حتى لا یجد الأنس إلى قلبه أي سبیل.
وما إن راح یستعرض في فكره كل هذا .. حتى رق قلبه علیه ، وأدركته الرحمة لنفسه ، وراح یبلل ثرى تلك
الأرض بدموع ألیمة یبكي فیها عمره الذي ضاع ، وأمله الذي خاب ، وقلبه الدامي الذي سحقته الأقدام.
ثم التفت حوله ، وقد أخذت أطراف الزنزانة وجدرانها السود تلوح لعینیه ، وترائت تحت بصره أرضها العفراء
الیابسة خالیة من أي شيء یستند إلیه الجنب ، إلا دكة ترابیة صغیرة في ناحیة منها ، یمتد علیها بساط مهلهل
.
وأدار بصره الذي غشاه الدمع في سائر تلك الأطراف ، كأنما یبحث عن أي شيء یتخیل فیه الرحمة والعطف ،
لیتعلق به ویبثه كربه ولكن الزنزانة السوداء قطعة واحدة صماء ، لا تسمع صوتا ولا تفهم نحیبا . فانقطع من
نفسه إذ ذاك آخر خیط من أنسه بالدنیا ومن فیها ، ولم یجد أمامه إلا السماء .. السماء التي هي وحدها مثابة
المكروبین ومآل البائسین والمظلومین . فرفع رأسه ونظر بعینیه إلى الأعلى نظرة بعث فیها كل آماله وزفراته
المتجمعة بین جنبیه قائلا:
‘‘رباه ألست تبصرني ..؟
ألست تبصرني ، وأنا عبدك الضعیف ، كیف أذوب بین كل هذه الآلام التي لا أطیقها …؟
رباه إن عبیدك في الأرض لم یرقوا لحالي ولتعاستي وشقائي ، وإنما سحقوا جراحي ، كما ترى ، في التراب ،
وحرموني حتى من الزاد الذي أتبلغ به في طریق فنائي . فارحمني أنت یا رب ، فوحقك لن أتوسل بعد الیوم إلى
غیرك ، ولن أسكب دموعي إلا بین یدیك ، ولن أتذلل إلا لجلالتك’’…
ولم یطبق جفنیه على هذه النظرة والكلمات التي قالها إلا وقد سرت إلى نفسه روح جدیدة ، أخذت تمتد من
وراء ضلوعه كما یمتد لسان من النور المتوهج بین تلافیف الظلام ، ولمست قلبه لمسة بعثت فیه بردا من
الراحة والهدوء ، واضمحلت تلك الوحشة القائمة من حوله في روح من الأنس الغریب..
وما إن شعر بكل هذا في نفسه ومن حوله حتى عاد فرفع رأسه وقد قام مستندا إلى جدار الزنزانة ، یناجي االله
سبحانه قائلا:
‘‘إلهي ، لقد اهتدیت إلى لطفك إذ فقدت الدنیا كل أسبابها وآمالها ، فوحق وجهك لن أحید عن بابك بعد الیوم
وإن عادت إلي الدنیا بكل ما فیها . فلیظلمني الظالمون ، ولیكد من أجلي الكائدون ، ولیشعلوا قلبي بما شاؤوا
من نارهم ، ولیحبسوني في الظلمات وفي أوكار الوحوش . فوحق ربوبیتك التي لم أبرح ساجدا لها ، إن ذلك
كله لا یضیرني في شيء ولا یقطع قلبي أوهى خیط من خیوط آماله.
ما أعذب إلى نفسي الصبر .. ما دمت أستمتع بهدیك الذي یشع في روحي ، وما أسهل هذا الظلام ما دمت أجد
بین ضلوعي نورك الذي یؤنسني ، وما أهنأ إلى قلبي التعذیب ما دمت محاطا بخفّي رحمتك ولطفك.
أما الیأس .. فهل للدنیا كلها أن تجعل للیأس سبیلا إلى قلبي ؟ّ أقسم بالقدّ الذي سبیتني باعتداله ، أقسم باللحظ
التي أسكرتني بجمله ، أقسم بالنور الذي أضرمته علي نارا ، أقسم بالحسن الذي لم أذق منه إلا علقما وصابا ،
أقسم بكل ذلك أن هذا العذاب مهما أفقدني الهدوء والقرار ، فإنه لن یفقدني الأمل في الوصال حتى ولو أسدلوا
بیني و بینه حجاب الموت ! فما أجمل أن یسعد بمناه في ظل خلدك وتحت جناح لطفك.
ولماذا لن یسعد …؟ وهما وحقك یا مولاي ، كما تعلم ، روحان طاهرتان عفیفتان ، لم یتزودا من هذه الدنیا إلا
بسعیرها وبؤسها ، تقدمان إلى رحاب الملك الخبیر اللطف ، ذي الرحمة الواسعة ، والعدل الشامل.
واشوقاه یا مولاي إلى ذلك الیوم …! إذ نمضي إلى رحابك ، فتمسح بیمین لطفك عن كلینا مدامع الظالمین ،
وتضمنا بین ذراعي رحمتك ، آمنین مقبولین’’..
وهكذا أخذ یهبط إلى قلب ممو ، وهو في قعر تلك الموحشة ، أنس إلهي یحف به ویخفف من آلامه وأحزانه ،
بعد أن انقطعت صلته من المخلوقین واستبد به الیأس منهم . وبمقدار انصرافه ویأسه من الدنیا ومن فیها
أخذت تعظم صلته باالله تعالى وتتعلق آماله به وحده . فاتخذ من مغارته تلك صومعة لا یفتأ یناجي فیها االله
تعالى ، ویتعبده لیالیه وأیامه . یدخل إلیه حارسه لإحضار طعامه إلیه فلا یجده إلا قائما في صلاة أو ساجدا في
مناجاة…
وأخذ جسمه یهبط إلى الرقة والذوبان بینما أخذت روحه تشب نحو القوة والطوق . وكلما راح منه الجسم نحو
الرقة والإضمحلال وانطلقت روحه نحو الإنتعاش والقوة ، ازداد غیبوبة عن الدنیا وأسبابها وتعلقاً بالسماء
ومعانیها إلى أن غذا ذلك الهیكل الجسمي منه لعبة في ید الروح تصرفه كما تشاء ، وبدأت المادة تضمحل في
سلطانها فلم یعد للزفرات في الجسم معناها المحرق ، ولا لسعیر الفراق في الكبد أثره المذیب.
وبدأت الروح ترقب في شوق ولهفة شیئا واحدا .. وهو الإنطلاق لا من زنزانة السجن إلى الدنیا ، ولكن من
قفص ذلك الجسم إلى الرحاب التي هیئت لها…

ممو زين – الیأس

لم تكن زین قبل أن یصیر ممو إلى هذه النهایة ، یائسة من السعادة .. رغم ما كانت تكابده من الآلام . فقد كان
لها أمل كبیر في أن تنال هي الأخرى مع ممو آمال قلبها ، كما نالت أختها ستي مع تاج الدین . ولكن ما أن
علمت بذلك العقاب الشدید الذي أنزله الأمیر بممو .. ذلك العقاب الذي جاء فدیة له من القتل ! حتى بتر من قلبه
كل ما كان یمتد فیه من عروق الأمل ، وأخذ فؤادها ینزف باللهب وخنقتها العبرات ، وضاقت رحاب الدنیا أمام
عینیها . و كأنما أطبق علیها ذلك القصر ونعیمه والتصق بخناقها ، فلم تعد تشعر من حولها حتى بالهواء الذي
تملأ به رئتیها . وتجمعت على مشاعرها آلام عدة .. أقلها یذیب النفس.
كانت تتوجع مرة لمصیر ممو وتبكي وحشته وانفراده في ذلك البئر .. وتتألم أخرى من أنه ربما یتخیل وهو في
عذابه ذالك أنها سعیدة في رحاب هذا الصرح ، تتقلب في نعیم الحریة والإنطلاق . ثم تتألم لنفسها ، ولغروب
آمالها ، ومن أنها لم تعد تبصر بقیة أیام عمرها أي بریق من الرجاء والأمل . ثم تعود فتتقلب بین جمر من
زفرات شوقها ولواعج حبها .وكثیرا ما كان یمتزج في آلامها هذه معنى الحیرة والتعجب من كل هذا السواد
والبؤس في حظها ، فتتسائل قائلة:
‘‘أي حكمة ترى یا إلهي تكمن وراء كل هذا الوابل الذي أمطرته على أیامي من التعاسة والشقاء …؟
مرة واحدة .. لم تدر هذا الفلك نحو إسعادي وتفریح قلبي . یوما واحدا .. لم تدع هذه الدنیا تتألق أیضا في
عیني ؟!
أسكرت أولا ذلك المسكین ، وطرحته في وهج من حبي . ثم عكست ذلك الوهج إلى قلبي أیضا ، وتركته یكابد
حره ولظاه . أسرجت بیني وبینه الضیاء قلیلا ، حتى إذ لمحني ولمحته ، وهفا إلي وانصرفت إلیه ، أسرعت
فأطفأت السراج وأسدلت بیني وبینه الظلام وتركت كلا ما ینطوي على ناره ، وینفرد لشوقه وحرمانه . أقمت
من حول أعیننا أفراح الناس وأعراسهم ، بینما تركت وراء جوانحنا مأتما من الأحزان والآلام.
فماذا جنیت یا إلهي …؟ بل ماذا جنى ذلك المسكین الذي أرسلته .. لیبحث عن آماله في ظلام المقام في باطن
الأرض ..؟
ولكن…
لماذا أعتب .. ولمَ أقول هذا ؟ فقد علمت أن هذه قسمتي من الأزل ، وقد رضیت بها قبل الیوم . وعليّ أن
أرضاها الیوم أیضا صابرة شاكرة.
غفارانك اللهم … لك مني الرضى والقبول بكل ما حكمت به عليّ أقدارك’’…
ویتراءى أما عینیها شبح ممو ، وكأنما ینظر إلیها من وراء سجنه ، وهي طلیقة في جنبات القصر ، بعین
كاسفة ووجه متألم ، فیثیر ذلك لواعجها ، وتحدثه قائلة:
‘‘أو تحسب یا ممو أن رحب هذا القصر أوسع علي من مضیق سجنك ؟ أو أن إشراق هذه الدنیا من حولي أقل
سوادا في ناظري من ظلمتك التي أنت فیها ؟ أو أن شیئا من النعیم الذي حولي یسلیني عنك ویشغلني ؟
لا واالله یا ممو … أقسم لك وأنت قبلة فؤادي الولهان ، وأمل روحي الهائمة – أن سعة آفاق الدنیا أماي لا
تزیدني إلا حسرة وكربا ، وأن إشراق هذا القصر من حولي لا یبصرني إلا بسواد حظي الحالك..
نعیمي .. الزفرات التي تشق صدري ، وطعامي .. السُعار الذي یمزق أحشائي ، وشرابي الدموع التي تذیب
كبدي . أما فراشي ، فهو ذلك القتاد الذي یظل یدمي مني سویداء القلب ، لیست لي عین یفرغ منها الدمع
لتغمض ، ولا شعور تهدأ منه الثورة لیستكین.
هذه حالتي یا ممو وأنا في رحاب هذا القصر ، فقل لي كیف حالك وأنت في غیاهب ذلك السجن ..؟
قل لي من هو أنیسك فیذلك الظلام ؟ ومن هو جلیسك الذي تشكر إلیه الآلام ؟ كیف تقضي اللیل ، وأنت لا ترى
سمائك كوكبا یواسیك أو یطل علیك ؟ !وكیف یمر نهارك دون أن ترى من حولك أي إنسان یحدثك ، أو تمر بك
نسمة تنعشك ، أو تبصر أمامك غصنا أو طائرا یسلیك ؟
آه لو كان لروحي التي بین جنبي أن تنطلق مرة إلى ذلك الغور لتبصر ذلك المسكین ، وتعود إلي بالخبر عن
حالته وصحته وجسمه . أخشى أن یكون الجزع قد استبد به والآلام استحكمت في نفسه فیكون في ذلك المكان
قضاؤه.
بل آه لو امتد غضب هذا الأمیر إلي أیضا ، فاثقلني بالسلاسل والأغلال وزجني معه في ذلك الظلام . إذا واالله
لاطلقني من سجن هذه الدنیا إلى رحب الجنان ، وافلتني من قیود هذه النعمة التي حطمتني إلى حیث أستطیع
أن أرى فیه سعادتي ، وأدواي ذلك القلب الذي لم یرق لحاله أحد.
ما أشد ظلام هذا الیأس في عیني ، وما أشد خوفي من أن یكون الدهر قد انطوى على آخر لقاء بیني وبین هذا
إنسان قلبي ، وقرر أن یحرمني حتى من مشاهدته والإطمئنان على حاله’’
وهكذا أخذت زین تفقد أخیرا بقیة ما في جسمها من حول وقوة ، وعافت كل طعام وشراب ، وأضناها الهزال
والیأس إلى أن غدت نهبة للعلل والأمراض .
ولم یعد یخفى على أخیها ما تكابده من ألم وحب شدید لممو ولكنه مع ذلك ظل متجاهلا أمرها غیر مكترث
بحالها فقد كانت سكرة الغیرة والحمیة في نفسه قد غشت على عقله وعاطفته حیال هذهین العاشقین ، تلك
السكرة التي نفخها في رأسه حاجبه الخبیث ، إذ رماهما له بتهم باطلة ، وأدخله إلى وهمه أن ممو لم یعد یجد
مانعا من أن یلوث سمعة قصره بمعاني العشق والغرام بأخته بعد أن رفض أن یزوجه بها.
وانقطع الأمیر عن الإلتفات إلى أخته الصغیرة مرة واحدة لا یسأل عنها بكلمة ، ولا یرحمها بنظرة ، بل ولا
یحاول أن یمر ولو مرة بجناحها من القصر لیعلم ما حالها وما الذي انتهى إلیه أمرها.

ممو زين – الثورة

انقضى عام كامل على ممو وهو لا یزال ملقى في سجنه ، ورفیقة شقائه لا تزال تعاني كربها وعلل نفسها
وجسمها . وأصدقاؤهما لا یجلو عنهم ذاك الحزن والهم من أجلهما ، لا سیما تاج الدین وستي ، ذاك لا یبارح
خیاله ممو وهو قابع في وحشة الإنفراد یكابد هذه النهایة التي حكم بها القضاء بعد كل حرمانه وشقائه . وتلك
لا تفتأ تتوجع لحالة أختها زین التي تدهورت صحتها وطرحها الضنى والعذاب ، حتى إنها عافت واستثقلت كل
مظاهر نعیمها وسعادتها التي آتاها الدهر بعد أن عافت أختها من كل ذلك ونكبها هذه النكبة المریرة . وقد بائت
كل محاولات أولئك الأصدقاء لإطلاق سراح ممو والعفو عنه بالخیبة ، فلم یكن أحد لیستطیع أن یستدر بشكل ما
عطف الأمیر وشفقته علیه.
وفي لیلة صامتة هادئة … كان أصدقاء ممو كلهم مجتمعین في دار تاج الدین ، تلك الدار التي یعرف الناظر
إلیها أنها كانت في یوم ما قصرا رائعا .. یتبادلون المشورة والآراء لإیجاد حل حاسم لهذه المشكلة . وقد بلغ
بهم الكرب أقصاه ، وانتهى الصبر فیهم إلى آخر مرحلة.
وارتأى بعضهم أن یغدو جمیعا مع صبح الیوم التالي إلى الأمیر لآخر مرة .. یستشفعونه في ممو ، ویستدرون
عطفه .. و یلحون في الرجاء بإطلاقه .. فإن استجاب فذاك وإلا عادوا فقرروا سبیلا آخر أصلب من هذا…
ولكن عارفاً لم یعجبه الرأي وقال:
‘‘إن من الضعف والخور بعد كل الذي عرضناه من رجاء ، وتصنعناه من ذل – أن نعود إلى هذا الإسلوب
بعینیه.
إن إخراج ممو من السجن لم یعد یمكن عن طریق الرجاء والكلام في الدواوین ، وإنما یخرجه الیوم شيء واحد
، هو هذه السواعد التي نملكها .. فعلینا أن نتركها هي الیوم ترجو وتتكلم ، لا في المجالس والدواوین ولكن في
الفلاة والمیادین!…
علینا إذا أردنا أن یعود ممو إلینا أن نبادر مع صبح الغد فنرتدي دروعنا ، ونشتمل سیوفنا ، ثم یستوي كل منا
على جواده ، فننطلق بالحراب والسنان نهزها ، ونستدر بها وحدها عطف الأمیر ، لیطلق سراح ممو . فإن
رقق ذلك من قلبه وقضى مرادنا فذاك .. وإلا أعلنا حربا مستعرة هوجاء ، علیه وعلى كل من ستثكله أمه من
اتباعه وبطانته ، وعلى رأسهم كلبه اللئیم الحقیر.
ولتنفتل رحى الآجال إذ ذاك ، تعصف بالرؤوس ، ولتصبح ‘‘ بوطان ’’ حلبة لرقصة الموت ، ولیستمتع أهلها
بلحن الأتراس والسیوف . فإما شققنا غبار ذلك كله إلى ممو فأنقذناه برماحنا وسواعدنا ، وإما لحقنا به
وعانقنا معه الموت والردى’’.
وما إن أبدى هذا الرأي ، وأتم كلامه الملتهب حتى أثار حماسة الجالسین ، وأشعل دمائهم ، وأجمعوا على أن
یتلاقوا جمیعا في صبح الیوم التالي في عدة الحرب لیشنوها غارة على الأمیر!…
وفي صبح ذلك الیوم فوجئ أهل الجزیرة من هؤلاء الأشقاء الثلاثة بأمر لم یكونوا یحسبوا له حسابا .وطاف
هؤلاء الثلاثة ومن معهم من الأصدقاء والأصحاب على أهلهم وذویهم – وقد حزموا أمرهم على الحرب ،
ولبسوا لها لباسها ، وأعدوا لها عدتها – یستسمحونهم ویودعونهم.
ثم انطلقوا في خیلهم ورجلهم ، وقد اجتمع منهم عدد كبیر ، یؤمون قصرالأمیر .. ولما صاروا على مقربة منه
اختارتاج الدین ممن معه شیخا مسنا ، فبعثه رسولا إلى الأمیر ، یخبره بالشأن .. وأمره أن یقول ما یلي:
‘‘أیها الأمیر ، هؤلاء الأخوة الأربعة – ممو وتاج الدین وعارف وجكو – لست تجهل أن أحدا منهم لم یتهاون
یوما ما في خدمتك ، ولم یتبدل منه الإخلاص في محبتك . فبأي حق وإنصاف تمر سنة كاملة ، وأنت حابس
عنهم أعز أخ بینهم .. وملق به في ذلك القبر .. لیس له هناك من راع ولا صاحب ؟!
أیقظت علیهم شماتة الحساد ، وأقمت من حولهم هموم الأصدقاء والأصحاب ، وتنكرت لهم ، فلم تستمع منهم
إلى استعطاف أو رجاء !
ما هو ذنب ممو …؟
ألیس كل ذنبه الذي جعله یستحق منكم هذا العقاب أنه عاشق ….؟
ولكن ماذا یصنع .. وإن للعشق سلطانا أقوى من سلطانك ؟ فهلاّ انتقمت إن كنت ذا طول وطود من ذلك
السلطان الذي عاندك فاسترقّه – عوضا عن أن تنتقم من هذا البريء الضعیف الذي لیس له من الأمر شيء
..؟!
أیها الأمیر : إن هؤلاء الأخوة الأربعة لیس أحد یجهل أنهم أركان أربعة لسعادتك وسلطانك .. وهم الیوم
یتقدمون إلى رحابكم باسم الوفاء والعدل طالبین لآخر مرة إطلاق سراح رابعهم من ذلك السجن . وإلا فإن أحداً
من البقیة .. لا یجد في نفسه ضرورة إلى الحیاة بعد الیوم’’…
وراح الشیخ .. واستأذن على الأمیر بعد أن رآه بكر وعرف المسألة كلها .. فأبلغه هذه الرسالة كما حمّله إیاها
تاج الدین ، ووقف ینتظر الجواب . فأخذ الأمیر یفكر وقد بدا على ملامحه الحذر والتریث . ثم نظر إلى الشیخ
قائلا وقد أسرّ في نفسه أمرا:
‘‘أیها الشیخ . عد إلى هؤلاء الذین أرسلوك ، فقل لهم : من أین ارتكزت في أذهانهم هذه الأوهام الفاسدة حتى
تقوم في رؤوسهم هذه الثورة التي لا داعي لها ..؟ ولیحدث كل ما یفرض أن یكون ، فهل یعقل أن نفوت ونترك
أصدقائنا ، وأن نتخلى عن تقدیرهم ومحبتهم ، سیما وإن لهم عندنا خدمات وأیادي لا تنسى ، أما ممو فإنا رأینا
أن نفعل به ذلك تأدیبا وإیقافا له عند حده ، وها أنا الیوم سأجعل كلا من ممو وزین فداء لتاج الدین وأخویه ،
فلیطب خاطرهم . بل وسأهبها لهم لیتحققوا من إخلاصنا في حبهم وتقدیرهم’’..
فتهللت أساسیر الشیخ ، وانحنى شاكرا بین یدیه ، ثم انصرف عائدا إلى القوم الذین كانوا في انتظاره . وما إن
أخبرتهم بما قاله الأمیر حتى سري عنهم وخمدت ثورتهم وتفرقوا عائدین إلى دورهم في انتظار الابتهاج
بإطلاق سراح ممو وتزویجه من حبیبته زین.

الخديعة
لم یكد ذلك الشیخ یخرج من القصر حتى أخذ الأمیر یفكر في الموضوع بجد …وقد بدا على تقاسیم وجهه وفي
بریق عینیه الاهتمام الشدید بالأمر ! وأخذ ذهنه یطوف حول إیجاد أي خدعة لأولئك الثائرین في وجهه.
أما الحدیث الذي قاله للشیخ ، فلم یكن شيء منه صادرا عن أعماق نفسه ، وإنما أرسله مجاملة فقط .. لتخمد
ثورتهم ، ویرجعوا عما عزموا علیه من إثارة الفتنة والحرب . إذ كان یعلم أن قیام ثورة علیه من قبل تاج
الدین وشقیقیه لن یكون في صالحه . لا سیما وإن لهم شیعة وأتباعا كثرا في الجزیرة ولذلك ألقى إلیهم بهذا
الوعد ، لیلهیهم ویتراجعوا عما أجمعوا رأیهم علیه ، بینما یصل هو في تفكیره إلى حیلة یسبقهم بها إلى تدبیر
الأمر كما یشاء ، ویقطع بها علیهم طریق الثورة والقوة.
ودخل علیه الحاجب بكر ، فألم بالقلق في نفسه ، ولم یخف علیه – وقد كان تسمع إلى كل ما قاله الرسول
وأجابه به الأمیر – أن الأمیر لك یكن مخلصا للرسول فیما قدمه إلیه من وعود ، وأنع یحوم بفكره حول أي
وسیلة لإنقاذ الموقف ، وحسم هذا الأمر…
فأخذ یقول وهو یتشاغل بتنظیم جوانب الدیوان وإصلاحه:
‘‘لقد كنت واالله خائفا منذ أمد طویل أن ینتهز الفرصة هؤلاء القوم ، ویتشبثوا بأي سبب مصطنع لإثارة الفتن
والقلائل حول هذا القصر . وما مرادهم واالله ، كما علمت من أول الأمر ، إلا أن یصلوا بصاحبهم تاج الدین إلى
الحلم الذي لا یزال جاثما في أوهام رؤوسهم’’!…
ثم التفت إلى الأمیر فقال:
‘‘ولكن لا داعي إلى أن یحسب مولاي لهم كل هذا الشأن ، وأن یعیرهم من نفسه القلق والاهتمام … ففي
استطاعته إذا شاء أن یتخلص من كل من تاج الدین وشقیقیه بأیسر الطرق…
أما ممو فإن الوسیلة إلى قتله أسهل ما یكون ، ولن یكلف ذلك سوى أن یتظاهر مولاي لزین بأنه نادم .. وأنه
عقد العزم على أن یعفو عن ممو ویزوجها به . ثم یرسلها إلى زنزانة سجنه لتتولى هي بنفسها إطلاق سراحه
، فقد علمت مولاي بأنه یعشقها عشقا شدشدا ، وأغلب الظن أنه عندما یفاجأ برؤیتها بعد كل غیابه عنها
وشوقه إلیها والیأس الذي دب في نفسه ، سیخر صریعا وقد فارقته الروح.
أما تاج الدین وشقیقاه فمن السهولة بمكان – إذا شاء مولاي وترك الأمر لي – أن أتقدم إلیهم بكؤوس من
الشراب المسموم’’…
ورغم أن الأمیر كان یتظاهر كالمتشاغل عن حدیثه ، إلا أنه كان ملقیا إلیه كا باله ، یتتبع حدیثه ورأیه باهتمام
. فقد كان كل مراده أن یعثر في أقرب وقت على أي حل أو طریقة یتفادى بها ثورة تاج الدین وصحبه ، دون أن
ینزل عند طلبهم أو مرادهم.
على أد ذلك لم یمنعه من أن یتضایق من بكر وفظاظة طبعه الذي یأبى إلا أن یشرئب متطاولا إلى هذه الامور
التي لا تعنیه في قلیل أو كثیر ، فقد أصبح یتراءى لعینیه في وجهه الذي یظل متمسكنا في خبث ، كلما لمحه ،
مصدر هذه الفتنة التي أخذت حیزا كبیرا من تفكیره ، بقطع النظر عن أنه أكان صادقا ومخلصا له في إثارتها ،
أم مفتریا لا یهمه شيء سوى إیقاد نارها واحتراق الأبریاء في لظاها . وحسب هذا في الواقع حاملا للأمیر
على كراهیته والإشمئزاز من منظره وكلامه الذي لا یبعث إلا التشاؤم . بل ربما كان یدفعه هذا إلى أن یجازف
بطرده رغم حاجته إلى حاجب في مثل خبثه ودهائه – لو لم یكن ذلك في هذا الوقت خاصة قد یثیر لدى تاج
الدین ظنونا بالأمیر وبأن كل هذا الذي حدث إنما كان بمكر وافتراء من ذلك الحاجب الذي استطاع أن یغرر
بالأمیر ویخدعه.
ثم إنه لم یعلق شیئا على كلام بكر الذي ظل متشاغلا من حوله في انتظار أن یجیبه على رأیه الذي أبداه ، بأي
كلمة أكثر من أنه أمره بالخروج وإغلاق الباب ، وبأن لا یدع أحدا یدخل علیه في ذلك الیوم.
وظل الأمیر بیاض نهاره ذلك لا یُرى إلا مختلیا یفكر .. أما في اللیل فقد استید به الأرق ، وظل أیضا ساردا في
التفكیر والإطراق.
أخذ یعرض على ذهنه إلى جانب ما علق برأسه من ذلك الرأي الذي أبداه بكر آراءً كثیرة ، ولكن لم یكن من
بینها أبدا فكرة العفو عن ممو وتزویجه من أخته . إذ كان هذا بعیدا جدا خصوصا وقد تتابعت علیه عوامل
جعلته كالمستحیل . فقد كان أول عامل هو ما بلغ الأمیر أن تاج الدین راح یستعمل نفوذه الخاص في تزویحها
من ممو في الخفاء دون أن یعلمه بذلك ، وهو العامل الذي ألهب غضبه إذ ذاك وجعله یقسم أن یحول دون
تحقیق ذلك . والعامل الثاني هو ما شاع أخیرا بین الناس ونقله بكر إلیه من غرام ممو الشدید بأخته ، ومن
زائدات أخرى غیر لائقة انتهت إلى مسامعه . والعامل الأخیر الذي جعله الیوم یزداد قسوة وتمسكا برأیه ، هو
مجيء تاج الدین وقومه في هذه الثورة یطالبون بالعفو عن صاحبهم بالقوة والتهدید!
وأما رأي بكر فقد كان الأمیر یحسب للاقدام على تحقیقه حسابا كبیرا ، ولا یكاد یرى وسیلة معقولة إلیه ، إذ
لیس من السهل أبدا القضاء على تاج الدین وشقیقیه بالسم مثلا كما یقول بكر ، ولا یضمن أن تأتي النتیجة
لذلك هادئة سلیمة ، سیما وإن من ورائهم شیعة وأتباعا سیتساءلون عن السر وسیظلون یبحثون عن الحقیقة
التي لا یبعد أن تنكشف لهم أخیرا.
ثم أنها حیلة بشعة جدا ، لا یصلح أن تصدر إلا من ماكر دنئ من أمقال بكر … وإن دلت على شيء من الأمیر
فإنما تدل على الجبن الذي یمنع من المجابهة والمبارزة وجها لوجه ، وعلى أنه لیس في یدیه من وسائل القوة
إلا هذه الخدعة التي هي سلاح الجبناء والضعفاء ، وما أبعدهما عن الأمیر زین الدین من أن یكون كذلك ، وأن
ینزل عند شيء من هذا الضعف . وأما الخطوة الأولى من رأي بكر وهي ما رآه من وسیلة للتخلص من ممو ،
فقد كان یطمئن إلیها قلب الأمیر ، لو صح أن رؤیته لأخته على ذلك الشكل ستعدمه الحیاة وتجعله یفارق الروح
…! ولا شك أن الأمر إذا تم على هذا النحو فهي وسیلة محكمة تماما .. وهي الخطوة الأولى والأخیرة ، وتنتهي
المشكلة بعدها..
وعلى كل فإن الأمیر لم یسلم عینیه للرقاد في تلك اللیلة إلا بعد أن عقد العزم لحل هذه المشكلة على أمر…

ممو زين – النّدم

وفي صباح الیوم التالي كان الأمیر قد اقتنع بجزء من مشورة بكر ، ورأى أنه لیس هنالك ، مبدئیا ، ما هو
أولى منها ، فإذا لم تنتج الفائدة المتوفعة كان هنالك حینئذ مجال لرأي آخر . وراح ینفذ أولى خطوات تفكیر ذلك
الخبیث.
خرج من الدیوان … وصعد متجها إلى غرفة أخته زین ، تلك الغرفة التي غبر دهرا لم یدخلها أو یمر بها أو
یكترث بمن فیها.
وانتهى إلى بابها المغلق .. فوقف عنده قلیلا كأنما یستجمع هدوءه ، ثم دفعه في رفق ودخل…
دخل .. فوجد نفسه في غرفة ساكنة واجمة ، قد أغلقكل نوافذها وكُواها ، فبدت مظلمة قاتمة . وأخذ لیجیل
النظر في أطرافها ، إلا أن عینیه سرهان ما انصرفت إلى قامة فتاتة هبت مترنحة تحاول الوقوف والقیام على
قدمیها.
فدنا نحوها ، وراح یقلب عینیه في شكلها الذاوي ومظهرها الباعث للرحمة والألم .. وهي واقفة أمامه في جهد
، یتمایل بقوامها الضعف والهزال!
وأخذت نظراته كأنما تتسائل في تأثر واستغراب : أهذه هي أختي زین التي كنت أعرفها أروع ما تكون صحة
وجسما ، وأجمل ما تكون إشراقا وفتنة ؟!
أكل ذلك انتهى منها وغاب .. وأنا لا أشعر ..؟
ثم جلس إلى جانبها في هدوء . وأخذ یجیل نظره فیما حوله في صمت ، وقد شعر بمعاني الأسى والحزن ممتدة
إلى كل أطراف الغرفة وما فیها . وما ثم شيء من فرش والمقاعد التي من حولها والستر المسدلة أمامها ،
والحاجات المتفرقة إلى جوانبها ، إلا وكأنما قد لمسه الحزن والكرب لمسة واضحة من أجل هذه البائسة
المسكینة!
ثم عاد – وقد سرى أثر كبیر من ذلك الحزن إلى نفسه أیضا – فالتفت إلى أخته ، وقد أطرقت برأسها إلى الأرض
في وجوم وذهول . فمد یمینه برفق إلى أسفل وجهها ، ولارفعه إلى سمت عینیه یتأمل شحوبه وذبول ملامحه.
والتقت عیناه بنظراتها .. نظرات كسیرة من عینین ذابلتین قرحهما الدمع ، تشع نحوه في ارتجاف ، كأنما
تستعطفه قائلة:
‘‘كیف هان علیك یا أخي … وأنا شقیقة قلبك أن تقسو علي كل هذا ، وتباعد عن فمي كأس سعادتي وهنائي
وتحطمها في الأرض ؟
كیف استسغت یا أخي .. وأنا أختك التي طالما أسعدتني أفراحك .. أن تحرق ماك ان لي من شباب .. في ضرام
الشقاء والحرمان ، وتتركني أتأوه في هذا القصر من غیر راحم ، وأستصرخ من غیر مجیب ؟!
ماذا جنیت یا أخي حتى عاقبتني بكل هذا ؟
واالله إني لم أطعم من حبي إلا العلقم الألیم . واالله إني لم أخنك یوما ما في سر ولا جهر . واالله إن روحي لم
تدنسها أو تعلق بها أي شائبة مما قد تظن’’..
وما إن تلاقت عینا الأمیر مع هذه النظرات ، وتأمل ما كانت توحي به من هذا الاستعطاف حتى سرت رعشة من
الرقة والرحمة في سائر مشاعره ، وامتدت إلى سویداء قلبه ، فنفضته نفضة ألیمة تساقط منها كل ما تغلف به
من قسوة وغضب وبدأ بخفق بالرحمة ، ویجیش ندامة وحسرة . وقال وهو لا یكاد یملك عینیه:
لقد ظلمتك واالله یا أختاه .. إي واالله ، ولقد قسوت علیك قسوة ما أظن أن أي توبة أو ندامة یمكن أن تغفر لي
إثمها!..
ماذا دهاني یا زین …؟ وأین فقدت قلبي وكبدي ، حتى فعلت بك كل هذا… ؟
أكل هذا الضنى الذي على وجهك ، والنحول والضعف الشدید في جسمك هو من آثار قسوتي …؟ قسوة أخیك
الشقي التعس ..؟ إن نار الندم یا زین تأكل قلبي .. إن ألم الحسرة لیشق كبدي.
تعالي .. یا شقیقتي .. حدثیني ، أوَلا أستطیع الیوم أن أكفّر.. ؟ أوَلا أقدر أن أعود فأسعى لاسترجاع سعادتك
وشباب جمالك ..؟ أو لست أزال قادرا أن أتدارك الوقت ..؟’’
وما كادت هذه الكلمات من الأمیر تطرق سمع المسكینة التي طوت أیام عمرها في مكابدة البؤس وآلامه ، دون
أن یرق لها أو یكترث بها ، حتى أدركت قلبها رقة شدیدة لحالها ، وقامت بین جوانحها عاصفة كبیرة من آلام
وزفرات ، وكان قد بلغ بها الضعف والرقة إلى حیث لم تعد تتحمل كل ذلك ، فاندفعت من صدرها موجة كبیرة
من الدماء ، وانطلقت من حلقها مرة واحدة متدفقة إلى الأرض ، بینما راحت عي في غیبوبة كاملة عن نفسها
وكل ما حولها.
فجن جنون الأمیر من هذا المنظر الرهیب . وأخذ سعیر الندامة والعطف الذي راح أوانه یكوي مشاعره ویأكل
أحشاءه و قلبه . وفقد كل توازنه ووعیه . وجلس إلى جانبأخته الممتدة بین دمائها یصرخ ویبكي لاطما نفسه
كالنساء.
وفي تلك الأثناء كانت قد وصلت ستي إلى القصر متجهة نحو غرفة أختها لعیادتها والبحث عن حالها وصحتها
. وما إن وصلت إلى الباب حتى رأت منظرا رهیبا اقشعر منه بدنها وطار له صوابها!…
رأت أختها منطرحة من غیر إحساس في لجة الدماء ! ورأت الأمیر جالسا إلى جانبها یبكي وینتحب!..
فثارت في وجهه قائلة – وقد أیقنت أنها الغضبة الأخیرة قد عصفت برأسه فقتلها:
‘‘ماذا دهاك أیها الظالم… ؟ ألم یشف غیظك كل ما أنزلته بهذه البائسة من ألوان العذاب حتى قتلتها وسفكت
دمها ، وقد كانت ماضیة بحالها إلى طریق الفناء والموت ..’’؟
فالتفت إلیها الأمیر وأجابها في كرب یكاد یخنقه:
‘‘كفى یا أختاه … لا تزیدي في ناري . لسا بقاتل ، ولكنها غشیة’’..
ثم جلست الأخت والأخ من حول شقیقتیهما یحاولان ، وقد استبد بهما الجزع ، إنعاشها وإیقاظها دون أي
جدوى . ومرت ساعات … وتجمع حولهما كل من في القصر من الأهل والأقربین وراحوا یحاولون إحیاءها
بشتى الوسائل وطرق العلاج ، دون أن یستفیدوا من أي نتیجة…

الوصیّة

مر الیوم … وغربت شمسه ، وزین لا تزال على حالتها تلك منطرحة في غرفتها دون أي وعي ولا إحساس ،
رأسها في حجر أخیها الأمیر الذي لا یكاد یفلته البكاء ، والأهل والأقربون من حولها في حیرة وألم شدید . لا
یدرون أهي غشیة طال أمدها ، أم هو الموت والقضاء الأخیر قد أنزل بها ! یجسون عروقها ، ویتلمسون حركة
قلبها ، فتبدو حینا من الزمن وكأنها قطعة یابسة لیس في جهة منها أي حركة أو نبض ، ثم یعود فیخفق منها
القلب ، وتضح صاعدا ونازلا في صدرها في ضعف وبطء ، وإذ ذاك تتهلل أساریر الوجوه المطرقة من حولها
قلیلا ، ویلبثون منتظرین رحمة إلهیة تتداركها وتعید إلیها الروح والإحساس.
وبینما هم في تلك الاثناء إذ دخل أحد الغلمان مسرعا یقول للأمیر:
‘‘إن أحد حراس السجن جاء لیبلغ مولاي بأن ممو في حالة تشبه النزع .. فبماذا یأمر ؟؟’’
وما كاد اسم ممو یتلى في ذلك الجو الذي كانت تمر به أنفاس زین الصامتة ، حتى استنشقت منه الروح التي
بعثتها من ذلك السبات الطویل ، وسرت رعشة عامة في جسمها ، وفتحت عینیها تنظر ما حولها…
رأت أمامها رقعة كبیرة من الدكاء منبسطة في تلك الأرض ، ووجدت غرفتها غاصة من حولها بسائر الأقارب
والأصحاب وحرم القصر ، یرمقونها بعیون ذارفة وملامح ملؤها الأسى والحزن ! وأبصرت أخاها الأمیر جالسا
من فوقها یبكي كأنه الطفل ..؟!
فاستوت جالسة في اتكاء ، واستدارت بوجهها نحوه قائلة ، وقد تغیرت ملامحها ، وبدت على وجهها دلائل
أحاسیس غریبة طارئة:
‘‘أتبكي أیها الأمیر في یوم فرحي وعرسي …؟!
أفي الوقت الذي تصبح فیه سببا لإسعادي أكون أنا سببا لبكائك وأحزانك ..؟
لقد انطلقت روحي یا مولاي منذ الیوم إلى السعادة التي طالما انتظرتها ، وبرح بها الشوق إلیها ، استطاعت أن
تطیر إلیها بعد أن أولیتها الإذن .. ومنحتها الرضا … وتقدمت نحوها بالعطف…
في هذا الیوم انتهیتُ من سیاحة طویلة قطعتها في خضم هذا الفناء المائح ، بعد أن یبست في قطعه سائر
أطرافي وجوارحي وكابدت من أمواجه وعواصفه شدة كادت أن تصرعني!…
وعليّ الآن وقد انتهیت إلى الساحل أن أقف فیه قلیلا ، لأستروح . علي أن أقف هنا قلیلا … قبل أن آخذ طریقي
متجهة نحو الخلود الذي ینتظرني ، لأودعكم .. وأستسمحكم .. ولأتلو علیكم وصیتي یا مولاي’’…
ثم أسندت رأسها إلى وسادة ورائها – وقد أخذت ملامح الحاضرین تتلون بالحزن والأسى ، واستولى الوجوم
والإطراق على المكان – وراحت زین تحدث أخاها ، وكأنها في حلم ، قائلة:
‘‘لا تأس .. یا شقیق قلبي وروحي!…
لا تبك علي … فدتك مئة أخت من أمثال زین.
لا تأس یا مولاي .. فقد تقبلت هذه الآلام والأسقام ، منذ اخترت ممو رفیقا لروحي . وقبل أن تمهرني الأقدار
بالضنى والأحزان في سبیله ومن أجله . فالبؤس والهموم من أجل قلبي والسلطان والسعادة من قسمتك.
أمیري .. لا تنازعني الیوم في شيء من نصیبي ! فهي حصتي وأنا قانعة وراضیة بها . عد أنت یا مولاي
فاجلس على سرسر سلطانك ، وأمِلْ تاجك الدري على مفرق رأسك . أقم من حولك مجالس الطرب في تنظیمها
الرائع ، وأدر فیما بینها أفراح الزمان وأنسه . أسكر السادة والغلمان بشراب نعیمك ، ولیعد شباب اللهو
والمرح مختالا في الشیوخ من جلسائك .هیئ على بساطك لذائذ الطعام والشراب ، ونظم من حوله كل أسباب
الصفو والهناء ، وانثر بینه سائر أنواع العطور والمفرحات ، واجمع لذلك الندامى والأصحاب ، ولترقص بینهم
البهجة بشتى ألوانها ، ولتتمایل من فوق رؤوسهم الورود والأغصان.
فلقد استكملت یا مولاي في هذا الیوم روحانیتنا …وانتهت منا علائق الحیوانیة والفناء ، وأزیحت عما بیننا
حجبها وأستارها … نعم سوف یتوارى هذا الجسم بعد قلیل في ترابه ، ولكن روحي لن یمنعها أي شيء من
نعیمها ووصالها…
أمیري … ولا تنس أن تقیم أفراحنا كاملة .. فكلانا وإن أصبح روحانیا في ذاته ولكننا لا نزال نطرب .. ونمیل
إلى الطیبات والأفراح.
أتذكر ذلك العرس البهیج الذي أقمته لأختي ورفیقها ، وكیف أزدهرت هذا البلدة إذ ذاك ضیاءا وأنسا ..؟ إنني
آمل منك یا أخي أن تولیني مثل تلك الرعایة في یوم عرسي أنا أیضا … مُرْ هذه الجزیرة أن تعود فتمتطي خیول
المرح ، وأرسل وراء رجالك وجندك ، یقیموا الأفراح والمهرجانات ، ولتعد نشوة الفرح والطرب تطوف
بالرؤوس ، ولتتزین ثانیة جمیع المیادین والأزقة والأسواق.
أخي … ولقد ضاق الوقت ، فلتحسن إلي في المبادرة بتدارك الجهاز وتهیئته ، فلا بد من إعداده ، لكي یلتحق ،
منذ الآن.
أتذكر یا مولاي صرح ستي .. ذلم الصرح الرائع المتألق …؟
إنني أحتاج إلى تابوت في مثل بهائه وتألقه … أریده من أفخر أنواع الأبینوس .. الأبینوس المنقوش ولیكن
غطاؤه في مثل روعته وأبهته ، مزدانا ومرصعا بوشي الذهب والفضة . ولتكن مظاهر الإحتفال والبهجة كاملة
من حوله.
أخي ، أتضرع إلیك أن تحقق هذا كما أقول ، لا تدعني في یوم فرحي ممتهنة أمام الأنظار . لا یقولن الناس إذ
یتوسطون المقبرة في تحسر وألم : كم كان عرس ستي یوما مشرقا من الدهر ، وكم كان طالع زین أسود حالكا
منذ الأزل!…
ثم دع شقیقتي یا مولاي هي التي تتولى تزییني وغسلي ، وتكون في رفقة نعشي وتودیعه . أما ممو فاترك له
وفّیه المخلص هو الذي یغسله كما یشاء ویصاحبه إلى مقره الأخیر’’..
وسكتت قلیلا كأنما تستروح من إعیاء.
ثم تابعت حدیثها تقول:
‘‘فاذا كان بعد ذلك ، فأتم إحسانك لي یا سیدي ، ولیمر عام كامل تطعم فیه البطون الجائعة وتكسو الأجسام
العاریة . اجمع حولك الفقراء والماكسن لتغنیهم وترأف بهم . ابحث عن التعساء والأشقیاء لتواسیهم وتسعدهم
. امسح یا أخي بعطفك دموع البائسین ، وفرج بمعروفك عن قلوب المكروبین . أطلق ید الأسرى والمسجونین
، وفك ید الظلام عن الضعفاء والمظلومین . أسرج بشيء من نعمتك طوایا النفوس المظلمة ، وادخل بلطفك
القلوب الكبیرة . تدان إلى المفجوعین والمنكوبین لتؤنسهم ، وقربهم إلى مجلسك وسعادتك لتسري عن
همومهم وأحزانهم . ابحث في طوایا اللیل عن السادرین والباكین في ظلماته ، وفتش مع الشمس عن الهائمین
في الفلوات ، الهاربین بآلامهم إلى الآكام والتلال ، فداو آلامهم وآس جراحهم بكل ما یمتد إلیه طوقك وتصل
إلیه قدرتك.
ولا تنس یا سیدي أن تقوم بكل هذا على نیتي ، وأن تصرفه من حساب جهازي دون أن تقسم شیئا من كلامي
إلى حقیقة ومجاز.
ثم أتوسل إلیك بعد هذا في تنفیذ آخر سطر من وصیتي یا مولاي ، وهو أن لا تدع أي حاجز یقوم بیني وبین
ممو في مقرنا الأخیر . دعنا هناك یا أخي ، تنعانق في قبر واحد سعیدین منعمین ، تتلامس منا الأبدان التي
أحرقها الحرمان وأذابها الشوق والفراق.
أطلت علیك یا سیدي .. ولكن عذري أن الطریق أمامي طویل ، وحفرتي ، بعدت عنك ، بعیدة الغور ، ویوم
الفراق قریب’’…
وهنا استبد الجزع والحزن بالحاضرین الذي كانوا یسمعون كلامها في ذهول وإطراق ، وتعالت الأصوات
واشتد النحیب ، ولم تبق عین إلا انهمرت بوابل من الدموع . وتقدم منها الأمیر باكیا ، ضمها إلیه وقبل رأسها
قائلا:
‘‘أقسم لك یا شقیقتي – وأنا أخوك الذي قسا ولم یرحم – أنني سأكفر عن ذنبي بكلما استطیع . سأقدم روحي
ثمنا لجمعكما وسعادتكما . لن أدع واالله أي شيء یفرق بینكما لا في الحیاة ولا من بعدها’’..
ثم تذكر ممو وحاله في السجن ، فكفكف دموعه والتفت إلى من حوله قائلا:
‘‘ولكن علیكم الآن أن تبادروا مسرعین إلى السجن لتروا ممو ولتكن معكم زین ، فأنا واثق بأنه لیس بنزع ..
ولكنها غشیة أو ألم قد انتابه ، وسیسري عنه حینما تتلطفون له في إدخال البشرى إلى قلبه رویدا رویدا
وإخراجه من ذلك المكان’’..

ممو زين – اللقاء الأخیر

ساءت الحال بزین في تلك اللیلة أكثر من ذي قبل بكثیر ، فقد كان لتلك الغشیة الطویلة التي انتابتها ، وتلك
الدفقة الكبیرة من الدماء التي اندفعت من صدرها أثر كبیر في إبادة بقیة ما تحتفظ به في جسمها من طاقة
واحتمال .
ولكنها على الرغم من ذلك تحاملت على نفسها عندما سمعت من الأمیر الإذن بإطلاق سراح ممو والأمر لمن
حوله بالذهاب إلیه وبالإسراع بإخراجه . فقامت ، فتزینت ، وأصلحت من شأنها ، ثم امتطت جواد وخرجت مع
ذلك الجمع ، یؤمون في تلك اللیلة سجن ممو … وكان فیهم اختها ستي ، وبعض من الاهل والأقربین ، وبعض
خدم القصر وفتیاته ، وقد حمل الجمیع في أیدیهم شموعا لتنیر لهم الطریق.
وانتهو إلى باب السجن المغلق .. وبادر الحارس الخاص ففتح لهم الباب .. وهناك تأخرت عنهم زین لكي لا
یفاجأ ممو برؤیتها ، بینما أخذ الباقون یدخلون ، الواحد تلو الآخر في وجوم ورهبة .. إلى أن وصلوا إلى
الدرج الذي یهبط إلى مقر ممو ، فنزلوا فیه . والشموع بأیدیهم تبدد من حولهم الظلام ، وقد ساد الصمت
والرهبة ، فلا یسمع إلا وقع الأقدام المتلاحقة على ذلك الدرج . ثم انتهوا إلى مكان ممو ، وقد بدا كالكهف
الأصم ساكنا خاشعا تموج الوحشة في سائر جهاته وأطرافه.
وراحت أعینهم تجول في المكان .. وإذ بممو ملقى فوق بساط رث مهلهل ظهر أنه قد اتخذه مصلاة له ، لا
یترائى فیه أي أثر لإحساس أو روح ، وقد رق كل شيء منه حتى العظم ، وانطوت منه الملامح والهیئة التي
كانوا یعرفونها ، وعاد كتلة من عظام رقیقة بارزة ، في غشاء من الجلد المتغضن!
والتفوا یسألون حارسه الخاص عن شأنه فأجاب بأنه رآه على هذه الحالة منذ الصباح الباكر عندما أتاه بطعام
الإفطار ولم یستطع أن یعرف لذلك سببا سوى أن بعض من في جواره من المسجونین حدثوه بأنهم شعروا قبل
ذلك بأحوال غریبة من حوله ، ولمحوا ضیاء كبیرا یسطع من زنزانته قبیل الفجر!..
ولم یفدهم أي شيء من المحایلة وأنواع المنبهات والعلاج في بعثه من تلك الرقدة التي لم یكونوا لیعرفوا أهي
إغماءة قد انتابته أم هي الرقدة الأخیرة والموت . وحینئذ جاءت زین فتقدمت نحوه ، جاءت لتقف أمامه
وتحدثه .. ولكنها لم تتمالك ذلك إذ رأته ، وسرعان ما ارتمت علیه ، وراحت تهتف باسمه في جزع شدید ،
ویبلل وجهه بدموعها الغزیرة.
هناك .. دب الشعور إلى ممو ، وتفتحت عیناه ، وأخذتا تطوفان بالحاضرین في حركة باردة بطیئة .. تدل دلالة
واضحة على أن الوقت قد فات .. وانكمش جسمه ، وراح یحاول الجلوس .. ثم استدار نحو القبلة دون أن یكلم
أحدا ، وهوى ساجدا ..! بینما أخذ الجمیع ینظرون إلیه واجمین ، في حزن وألم.
وبعد فینة رفع رأسه .. واستدار بوجهه نحو زین ینظر إلیها في ذهول وصمت .. وفجأة .. دب شيء من الأمل
في نفوس الحاضرین فقد أخذ یتكلم!..
قال لزین بصوت خافت متقطع ، وعیناه تزیغان في وجهها:
‘‘لقد كنتِ لي نعم الدلیل ’’
فأجابت : ‘‘ لقد كنتَ لي نعم الخلیل’’..
فقال : ‘‘ أنتِ نعم السبیل إلى ربّي’’..
فأجابت ‘‘ : أنتَ نعم السراج لروحي’’..
فقال : ‘‘ أنتِ نور فؤادي’’..
فأجابت ‘‘ : أنتَ إنسان عیني’’…
فقال : ‘‘ أنتِ سلطان روحي’’..
فأجابت : ‘‘ أنت قبلة نفسي’’..
وهنا انتبه أولئك الذین یسمعون منهما هذه المناجاة إلى أن ممو لم یعد یملك وعیه ، وأنه أخذ یغیب عن نغسه
، فدنت منه ستي وقاطعتهما قائلة :
‘‘لقد جئناك یا ممو لننقذك من هذا الذي أنت فیه ، لا لكي تتكادى في ذهولك وجنونكّ إن الأمیر الذي كان قد
غضب علیك داخلته الیوم رحمة من أجلك ، وقد أرسلنا لإخراجك وتحقیق مرادنا . إن زینا التي جننت بها قد
سعت إلیك وها هي ذي واقفة أمامك كما تشتهي وترید . إن الأمنیة التي طالما تأملتها وغبرت شبابك في
الحنین إلیها قد أقبلت إلیك ، إن الناس كلهم الیوم في فرح من أجلك ینتظرون خروجك إلیهم لیستقبلوك
ویهنئوك.
فقم .. قم یا ممو لا یغلبنك هذا الهوى فتجن فیه ، لا یصرعنك ، من غیر داع ، أمواج هذا الشوق فتغرق في
عبابه . لا تذهب بقیة عمرك في هذا الجنون بددا . لا تبع روحك الیوم رخیصة وقد تدانت إلیها سعادتها . أعد
إلیك رشدك الذي طال معه خصامك ، وانفض عن رأسك هذا الجنون الذي طال بك تشبثه.
قم لنذهب معا إلى الأمیر .. فستراه الیوم ذا كرم و أفضال ، لقد هیأ من أجلك أسباب المسرة والأفراح ، وجمع
لك الأحبة والأصحاب ، ولقد مذَ لك في قصره بساط السعادة في انتظار قدومك لیهنئك بزین ، ولیقیم لأفراحكما
اللیالي والأعراس ’’..
ففتح عینیه قلیلا وكأنما عاد إلیه شيء من صوابه ، وراح یمیل رأسه یمنة ویسرى قائلا:
‘‘لا .. أنا لا أذهب إلى أي أمیر ، أنا لا أقف بباب اي حاكم أو وزیر ، أنا لا أكون غلاما لأي عبد أو أسیر . من
هو هذا الأمیر الذي لا یملك حیاته ، ولا یستطیع أن یدفع عن نفسه الفناء ، أو أن یضمن لعرشه البقاء ؟! أنا لا
تغرني الشعبذة الكاذبة ، ولا یبهرني بریق الخیال الفاني.
لقد انطلقنا إلى باب مولى السادة والعبید ، واستقبلتنا رحاب سلطان الحكام والأمراء ، إنه السلطان الذي لا
یفرق عدله بین غني وفقیر وأمیر وحقیر . إنه مولى القلوب الكسیرة وولي النفوس الحزینة . لقد عقد هو بیننا
بیمین لطفه ، وأقام أفراحنا في رحاب قدسه.
فمعاذ االله أن نهبط الیوم إلى أكواخ الفناء ، أو نولي وجهنا شطر العبید والأمراء ، معاذ االله أن نقیم عرسنا إلا
في تلك الرحاب التي تنتظرنا ، وحاشا أن یجمعنا إلا مولى قلوبنا وخالق أرواحنا.
ها هو ذا …لقد زین من أجلنا جنان روضاته ، وجمع لنا في جنباتها قدومنا ، ویستعدون للقائنا . إن هنالك
المیعاد الأكبر لنا في ظل رحمته رحیق حبنا ، وسیسعدنا إذ ذاك مجتمعین برؤیة وجهه .. سینسیانا ما ذاقناه من
أوصاب هذه الدنیا وآلامها ، وسیسمح عن وجهینا قتام الدموع والزفرات ، وسیجبر كسرنا ، ویمحو بؤسنا.
واشوقاه واشوقاه یا مولاي إلى الیوم الموعود’’…
وهنا سكت وأغمض عینیه . وكما یسرع فیطیر من قفصه ذلك الطائر الأهوج الصغیر الذي لا یفتأ مضطربا
یترامى بجناحیه في جنباته ، إذ تمتد نحو بابه المغلق فتفتحه – أسرعت تلك الروح مغادرة ذلك القفص العظمي
الذي طالما ظلت معذبة فیه وانطلقت تعلو إلى علیائها .. وكأن لم یكن شيء.
فإنقلبت تلك الزنزانة إلى مأتم یتعالى فیه النحاب والعویل وارتمت زین على أرض ذلك المكان وقد خار كل
قواها . وذهب الخبر في الساعة نفسها ینتشر في الجزیرة عن طریق بعض الحراس الذین أسرعوا لیخبروا
الأمیر ، قالوا فلم تبق دار إلا وانتشر فیها الحزن والكرب . وسهرت الجزیرة تلك اللیلة بعین دامعة قریحة .
وأسرع تاج الدین فخرج من داره ثائرا كالمجنون یتخبط مستعجلا قاصدا السجن الذي یضم خلیله.
وفي الطریق لمحت عیناه ‘‘ بكرا ’’ واقفا بین جمع من الناس على مقربة من القصر . فارتمى إلیه كالسهم ،
ولببه من خناقه بجمع یده ، وأخذ یصعق فیه والحنق مكتظ في وجهه ، وعیناه ترسلان إلیه نظرات كالجمر ،
قائلا:
‘‘أیها الإبلیس المزور في لباس إنسان ، أیها الثعبان الذي لم ینفث حلقه إلا نار الفتنة والدمار . وقفت أصلب
باب مغلق بین هذین المسكینین البریئین ، عشت أبلغ كيّ فوق جراحهما الدامیین ، حرمت قلبیهما من نصیب
هنائهما في الدنیا وحرمتني من إنسان عیني الذي ألفه البصر وفؤادي!
أیها الكلب العقور ، ما وقوفك الیوم على ظهر الأرض بعد أن غیبت خلیلي في باطنها ؟’’ !
ثم رفعه بكلتا یدیه ، فلوح به من فوق رأسه ، ثم طوح به في الأرض ، فارتطم بها دماغه . فكانت القاضیة..
وتركه ملقى هناك . وأخذ یتابع طریقه إلى أن وصل السجن حیث راح مندفعا في ثورة جامحة یخترق زحام
الناس واجتماعهم ، دون أن ینظر في وجه أحد ، إلى أن انتهى إلى جثمان صدیقه الذي كان مسجى في مكانه
كما هو ، فألقى عنه الغطاء وارتمى علیه كطفل صغیر إذ یهوي في أحضان أمه .. أمه التي لم یعد فیها لأي
إحساس أو حیاة . فبكى ما وسع عینیه البكاء ! وانتحب ما استطاع حلقه النحیب .. ثم عاد وقد ازدادت ثورة
أعصابه ، وتألقت عیناه في احمرار مرعب … وأخذ یرمي كل شيء من حوله بنظرات ثائرة ویتخیل كل من
یراه تلقاءه سببا في هلاك ممو وموته . والتفت إلى الحراس الذین كانول واقفین من حوله یصعق فیهم ، قائلا
، وقد وقف في بابا الزنزانة والشرر یتطایر من عینیه…
‘‘أقتلتموه أیها الأوغاد …؟ قتلتموه ، ألیس كذلك . ولكن .. ولكني سوف أنتقم .. سأنتقم منكم أیها الأنذال..
سأهدم الیوم هذا السجن .. سأقوض أركانه ، وأجعله قبرا لذلك الأمیر الذي بناه . أین أنت أیها الأمیر ..؟ بل أین
أنت أیها الجبان الذي خدعتني وقتلت خلیلي . تعال لأنتقم منك ، لا بل سآتي ألیك في قصرك لأجندلك منه صریعا
! ‘‘
وما لبثت هذه الكلمات الناریة من الهذیان أن أحالت أمره إلى ما یشبه الجنون ، وراحت یده تمتدان إلى محاولة
إهلاك كل من یراه أمام عینیه ممن یتخیل إلیه أنه قاتل صدیقه ممو ، لولا أن الأمیر بلغه ذلك فأمر بتقییده
وحبسه في مكام ما إلى الیوم التالي . وهكذا مرت تلك اللیلة على أهل الجزیرة في جزع شدید وحزن ألیم . بینما
ظل تاج الدین ساهرا في السجن إلى جوار صدیقه الراحل یقطع الحزن والبكاء فؤاده.
أما زین فقد استطحبتها ستي إلى دارها وقد خار كل قواها وتحملها ، حیث سهرت مع جمع من الأهل من حولها
یواسونها ویرأفون بقلبها إلى الصباح.

النِّھاية
أشرقت شمس الیوم التالي على جزیرة بوطان ، وقد عمها قتام من الحزن والكرب ، ودب سائر نواحیها
وأسواقها الوجوم والكمد وكأنما تقلصت أشعتها فلم تعد تستطیع أن تبعث في جهاتها الرونق والبهاء الكاملین .
حتى ذلك القصر المتألق الذي كان یصافح بهاؤه الشمس أول ما تبرز ، لقد سطعت علیه في ذلك الیوم وهو
كامد ، یذري دموعا غزیرة علّها تطفئ نار ندمه وحسرته ولكن دون جدوى.
وبعد قلیل كانت قد امتلأت الطریق التي بین المقبرة ودار ممو بمعظم أهل الجزیرة من نساء ورجال وولدان
لتودیعهم قیدهم البائس وتشییع جنازته.
وكان موكبا غایة في الامتداد والضخامة ، تماما كذلك الموكب العظیم الذي امتد في أسواق الجزیرة یوم عرس
تاج الدین ، ولكنه الیوم موكب أغبر قاتم لا تجد فیه بسمه أو فرحة عین . إنما هو الدموع والبكاء الذي لا
ینقطع ، والعویل والصراخ الذي یتعالى من سائر أطراف الأسواق ونوافذ البیوت.
وانتهى الموكب إلى المقبرة ، وكانت في رابیة كبیرة من الروابي التي تحیط بالبلدة . فانبسطت فوقها الجموع
من الناس ، وغطاهم سوادهم الكثیف . وازداد هنالك شعورهم بمعنى الموت والفناء وأخذت تلوح لأعینهم
الحقیقة الراهبة الجاثمة من وراء خداع هذا الدهر وأوهامه ، وامتزج ذلك الشعور منهم بالحزن الذي كان قد
استولى على افئدتهم للنهایة التي لاقاها ممو بعد كل عذاه وحرمانه ، فقامت فوق تلك الرابیة مناحة رهیبة
عمت الرجال والنساء وانجرف في تیارها الكبار والصغار . وظهرت زین بین تلك الحشود بقامتها الفارعة
ووجهها البادي لأول مرة وانطلقت مندفعة في ثورة كالجنون نحو الحفرة التي وري فیها ممو وأخذو یهیلون
فیها التراب . ولكن بعض ذویها عرقل علیها عجلتها وسیرتهل خشیة أن تلقي بنفسها هناك أو یحدث لها أي
أمر فوصلت إلیها وقد طمها التراب وسوي من فوق القبر ، فانهارت عندئذ قواها وارتمت فوق ذلك الجدث
تسكب دموعها فوق ترابه وتحدث من فیه قائلة:
‘‘أیها المالك لجسمي وروحي .. أیها الراحل!…
یا من تركت بستانك ومضیت .. هاهو ذا بستانك ، وقد أینع وأثمر ، باقیا من غیر راع وصاحب . فقل لي من ذا
یجینیه الیوم من بعدك ویجوب فیه ..؟ وما بقاء ثمره ونضرته بعد أن غادرته ونفضت یدیك منه ؟صحیح أن
منظره بدیع ، وظله وارف وجمیل ، وثماره شهیة یانعة ، ولكنها الیوم واالله حرام لغیر وجهك.
لن أدع غیر ریح الردى تجوب في خلاله ، ولن أترك سوى ید الهلاك والتلف تعصف بثماره ، سأهز جذع هذه
النخلة فلیتساقط جناها على الأرض ، وسأبدد ثمار هذه الأغصان والكروم فلتذر في مهب الریاح ، سأقوض
جذوع هذه الأشجار النضرة وأفتت أوراق هذه الورود العطرة.
هاتان العینان اللتان أعجبك سحرهما وجمالهما ، سأطفئ الیوم منهما هذا السحر والجمال . هذا القوام الذي
أسكرك حسنه واعتداله سأحطم الیوم فیه هذا الحسن والاعتدال وسأریق الخمر التي كانت تعربد وتسكر . هذه
الوجنات والشفاه ، هذه الأصداغ والشعور ، سأمحق من كل ذلك الفتنة التي سلبتك ، سأذرو على جمیعه التراب
والرماد ، وسأمرغه بالضنى والسواد ! فلقد كان جمیعه نذرا لعینیك ووقفا لبصرك . أما وقد أغمضت عینیك ،
فلن ؟أدع أي عین أخرى ترمقه وتتمتع به.
ولكن…
ولكن لا …! إن هذا تدخل فیما یس من ملكي وشأني …إنني أخشى أن تعتب علي في تصرفي بملكي الذي
ائتمنتني علیه وأنك تحب استلام أمانتك كما عرفتها وملكتها…
أولى بي إذاً أن أطوي هذا البساط كما هو ، وأن أسلمك الأمانة كما تركتها وأن أقوض إلیك جسمي بكل زینته
ورونقه’’…
ثم انكبت على القبر تعانقه وتتمرغ بترابه ، فأسرع إلیها القوم الذین من حولها لینهضوا بها ویواسوا حزنها
… ولكن أیدیهم لم تقع إلا على جثة باردة جف منها آخر قطرة من الحیاة!…
هنالك عادت أصوات العویل والنحیب مرتفعة من جدید ، وطار الجزع والكرب بفؤاد الحاضرین كلهم ، وألقى
الأمیر نفسه على جثمانها وقد عدم وعیه ورشده ، یسترحم الأقدار أن تتراجع ولكن الأقدار لا ترحم ولا تجیب
ولا تعود!…
ثم إنهم جهزوها وشیعوها كما أوصت وأرادت ، وعادوا ففتحوا قبر ممو . وجاء الأمیر یحمل أخته وعیناه
تذرفان ، فنزل إلى القبر ومدها إلى جواره قائلا:
‘‘خذ حبیبتك یا ممو التي حجبتُها عنك حیا ، ولتسامحني في قسوتي علیك في الدنیا ، وفي جنایتي الكبرى
على قلبك ، فلقد عاقبتني الأقدار بأكثر مما ترید … لقد عاقبتني بأبلغ كيّ من الندم في قلبي لن یندمل ما بقیت
حیا’’..
وهكذا حكم الدهر ألا یجتمع ذانك الحبیبان إلا في ظلمات تلك الحفرة .. وأن یتوارى أخیرا ذانك الكوكبان في
برج واحد.
أما بكر فالغریب أنه دفن هو الآخر قریبا منهما بل عند قدمیهما مباشرة ! قالوا والسبب في ذلك ،وفي أن
یلازمهما حتى فیما بعد الممات أیضا ، هو أن زینا حینما سمعت بنبأ قتل تاج الدین له اغتمّت لذلك وتألمت ألما
شدیدا.
وقالت إنه لم یكن سیتحق شیئا من العقاب ، ولكن الأقدار هي التي سخرته لهما لیصفو حبهما هذا الصفاء
الروحي ، ولتسمو نفس كل منهما إلى ما فوق مظاهر المادة وبرجها.
ثم أوصت بأن یدفن قریبا منهما قائلة : إنه سیكون حاجبا مخلصا لنا في دارنا الآخرى!…
وهذان القبران معروفان في جزیرة بوطان إلى الیوم ، یستطیع كل من أراد أن یشاهدهما…
والعجیب أن قبر ممو وزین یظل محاطا بسور من ظلال الأشجار والورود ، أما قبر بكر فلا تكاد تبارحه
الأشواك التي تعلوه في غزارة.

قبر ممو زين العاشقين , قصة و رواية كردية
قبر ممو زين العاشقين في جزيرة بوطان , قصة و رواية كردية
قبر ممو زين العاشقين , قصة و رواية كردية
قبر ممو زين العاشقين في جزيرة بوطان , قصة و رواية كردية
قبر ممو زين العاشقين , قصة و رواية كردية
قبر ممو زين العاشقين في جزيرة بوطان , قصة و رواية كردية

 

خاتمة واعتبارْ
أي رب:
أسألك بیحموم عشق المعذبین ، وبكمال صدق العاشقین…
أسألك بحلاوة الجمال ونشوته ، وبعظمة الجلال ودهشته…
أسألك بداء الهجر وعذابه ، وبشهد الوصال ولذة شرابه …
أسألك بلذة حي العاشقین ، وبمرارة عداوة الرقباء والكائدین…
أسألك بماء عیون البلابل والأطیار ، وبالندى المتساقط على الورود والأزهار…
أسألك بما خلّفته ممو من وجد وزفرات ، وبما أسالته زین من دموع وحسرات…
أسألك بكل ذلك یا مولاي أن تزیح عن عینيّ غشاوة هذه الظلال الفانیة حتى لا أرى فوق صفحة الدنیا إلا قوة
سلطانك ، ولكي لا أبصر في زجاجة مرآتها إلا رونق جمالك ، ولكي أسكر بالخمر نفسها ، لا بلون الكأس التي
تترقرق فیها…
أي رب:
لقد آمنت بقوتك وجبروتك ، وأیقنت بنورك وبهائك . آمنت أن هذا الكون كله جسم وأنت روحه ، وأن هذا
الوجود حقیقة أنت سرها…
أنت حسن زینة الأحبة والعشاق ، وإلى جمالك میل قلوبهم وهوى أفئدتهم وأبصارهم…
أنت خلقت في الشهد حلاوته وطعمه ، وأنت الذي أوجدت في الدمع حرقته ولذعه…
القلوب … أنت الذي ألهبتها بتأثیر من عظمة جلالك…
أشجار السرو الشاهقة ، أنت الذي خلقت في قامتها هذه البساقة والاعتدال…
الورود الناعمة الحمراء ، أنت الذي أبدعت أكمامها من بین الأشواك القاسیة الدامیة…
البلابل والأطیار ، أنت الذي ابتلیت قلوبها الصغیرة بحسن تلك الورود وجمالها…
تلون الأزهار وخضرة الأغصان ، أنت الذي بثثت فیما بینها روح الفتنة والجمال…
صوت الهزار والعنادل ، أنت الذي أكسبته معنى الطرب والانسجام…
كَحَلُ الأهداب الناعسة ، وسواد العیون المتألقة الباسمة ، وتهدل الشعور والتواؤها من حول الوجوه وفوق
الأكتاف ، كل ذلك أقل من أن یغتي هذا السحر الذي یأخذ بالألباب لو لم تكن قد أمددته بفیض من كنه حسنك.
عكست ، یا مولاي ، آیات عظمتك وسلطانك ومظاهر حسنك وجمالك على صفحة الكون الفانیة ، وأذهلته
القوالب والأشكال عن ملاحظة السر الرهیب دون أن ینتبه إلى حقیقة الشمس التي تسطع فیها ، وعاش
مشغوفا مفتونا بذلك الببغاء وحدیثه الآلي دون أن یلتفت إلى المصدر الأسمى الذي یخلق هذا الكلام في شفتیه.
ومنهم من فتح عینیه لیستعیض عن الحلم الكاذب بالحقیقة الرائعة الجاثمة بین یدیه ، وانشغل عن الصدى
لیستمتع بالصوت الذي سیري من حوله ، واستدبر المرآة لیرى حقیقة الشمس التي تسطع أمامه ، ثم خرّ
ساجدا لإله الجمال في الكون ، وخالق النشوة في الخمر ، ومبدع الرائحة في العطر!
أیها الساقي:
إنني أبغى الوصول إلى سدة ذاك الجمال .. إنني أرید كأسا من شراب ذلك القدس . فتعال فانشلني من بن هذا
القتام إلى هناك.
تعال ویحك حدثني .. حدثني فإن غبش هذا السكر لا یزال متدجیا أمام عیني ، ولقد كاد أن یخنقني.
حدثني ماذا ترى في هذا الكون ؟ قل لي ، أهو خیال یسري ، أم هو حلم نحن الذین نسري فیه …؟ ثم أنبأني إلى
متى تظل عیناي معتصبتین بخمرك وكیف لي بأن ینتفض عقلي من غشاوة هذا الذهول بكؤوسك ؟ فلقد سأمت
واالله واحترقت ، وما أحوجني إلى أن أتنفس عن هذا الحلم الضارب أطنابه علي لأبصر بعینيّ التي طال شوقي
إلى رؤیتها والنتهاء إلیها.
إنني أشعر أیها الساقي ، من وراء هذه الأوهام والخیالات التي من حولي بأسرار كثیرة ولكني لا أكاد أهتدي
إلیها ، وإنه لیتألق أمام عیني بین الفینة والأخرى بریق لامع ، یسطع من خلف هذا الضباب ولكن لا أستطیع
اختراققه للوصول إلیه ، وإنه لینتهي إلى سمعي من بین لغط هذا الكون وضجیجه صوت من السماء ما أروعه
وأسماه ! ولكني لا أكاد من هذا الضجیج أتبینه…
یا إلهي : مزق أمام عیني هذه الحجب المسدلة حتى أراك…
یا إلهي : إقشع من حولي بصیرتي خمار هذه الدنیا وسكرتها حتى أهتدي إلى عظمتك التي تسیر وتنفخ فیها
الوجود والحیاة…
یا إلهي : أزح من أمامي صور الجمال الخالد .. جمال ذاتك التي أشرقت بها الدنیا وما فیها…
یا إلهي : لا تحرم قلبي إذ یختفي وجیبه وتسكن دقاته من نصیب وافر من العشق والتعلق بهذا الجمال الباقي
والسر العظیم…

الفصل الأخیر من ممو زين – : مناجاة مع القلم

أیها الفارس الهائم في فلاة القرطاس ، متنكسا لمحو إشراقه ، مغرما بتسوید بیاضه . حسبك ما سجلته من
أخطاء ، وكفاك ما سودت من صفحات ، فقد آن لصریرك أن یهدأ ، وآن لك أن تعتدل و تترجل.
لقد أكثرت ، أیها الراكب الأغبر المسنون ، من تقبیح هذه الصفحات الناصعة بسوادك ، ولقد بالغت في تشوه
وجهاا بالخطوط والخیلان ورسوم ,, الباء ’’ و ‘‘ الدال ’’ . والخطوط مهما لطفت في دقتها أو جملت في
نسخها ورونقها ، فإن من القبح أن یكثر رصفها ، ویعمّ على وجه القراطیس سوادها . ألم تر إلى الغَُرر ، كیف
تغدو رائعة إذ تكون نتفا قلیلة توحي بالفتنة وتعبر عما حولها من إشراق ، وكم تكون قبیحة إذ تعم الجبهة
طولا وعرضا ، وتمتد من فوقها كامتداد الزمام …؟
أما الكلمات ومعانیها ، فمهما تعالت في الرتبة إلى مصاف الجواهر والدرّ ، فإن الإكثار جدیرا بإنزالها إلى
حضیض اللغو الذي لا قیمة له . ألم تر أن الدرّ إنما سمت قیمته لفقدانه ، وأن اللؤلؤ إنما زها بریقه في الأبصار
لبعد مناله ؟
على أنك كم نفثت بین ذلك من خلط وأخطاء .. وكم تجاوزت به إلى الألوان من السهو والعصیان ، حررتها بلا
رویة وسجلتها من غیر تأمل ! .. فقل لي ، من ذا یتولى الیوم مدحه وتحسینه ، بل من الذي یتحمل كل ذلك
ممن یراه …؟
أیها العود الأجوف الرقیق:
ماذا أفدتني إذا بریت منك هذا الرأس قلما سوى أخطاء رقمها منك هذا اللسان… ؟
ماذا تركت لي فوق هذه الصفحات إلا آثارا من نشوة العصیان ونقوشا من ذكریات اللهو والآثام …؟
حسبك .. حسبك انصرافا إلى تسجیل ما تملیه علیك الأهواء ، وكفاك انهماكا في مظاهر اللهو والألعاب . فلقد
آن أن تقلع عن كل ذلك تائبا نادما ، وآن أن تتبین طریق الحق لتسلكه مستغفرا باكیا ، وإلا فالنوبة من ورائك
لاحقة بك ، ولعلها تفجؤك عما قریب ، فلا تفیدك حینئذ الیقظة والانتباه.
ولكن القلم ما إن طرق سمعه هذا الكلام حتى هبّ ثائرا ، فامتطى صهوة الأنامل وقد سلّ لسانا كالسیف
یقارعني به قائلا:
أي أحمد:
لو لم تكن أنت ذلك الخبیث الذي تصف ، لما برّأت نفسك عن إثم أنت صاحبه لتلصقه ببرائتي وضعفي ،
ولعلمت أنني لم أكتب إلا الذي قلته ، ولم أرسم إلا ما تصورته . فالقول قولك حقا كان أم باطلا ، والفعل فعلك
خطأ كان أم صوابا.
أیها المتصرف فیما تتهمني به:
إنك لتعلم أنني كنت عدما في طوایا التراب ، ثم أنبتتي الأقدار قصبا في عالم الریاض والبساتین ، تتمایل
النسمات بقوامي الفارع یمنة ویسرة ، لیس لي صریر أسجل به قولا ولا صفیر أبعث به لحنا . ثم عمدت إليّ
فأبعدتني عن الأهل والأوطان واقتلعتني من بین الرفقة والأصحاب . فاتخذت مني قسما لتسجیل أقوالك ..
واخترت قسما آخر لتصویر طربك وآلامك . نقلتني من بین روضتي ووطني إلى ریاض الشوق والهجران ،
وثقبت جهات من جسمي بكّ العشق والآلام . ثم رحت تنفخ فیه روحا من أنفاسك ألهبت مني الكبد والجوانح ،
فكان كل بكائي من تعذیبك وإحراقك ، وكان جمیع آهاتي لنفخك وأنفاسك.
أنا جماد ضعیف أبكم لیس لي لسان ، وقصب یابس لا یتأتى مني أي نطق أو بیان ، ولكن أنت الذي اتخذتني
إصبعا سادسا بین بنانك ، وأنت الذي جملت بي مجالس طربك وألحانك ، وأنت الذي سوّدت بس صحائف لهوك
وعصیانك . وإلا فمنذا الذي سمع بأن الناي ینطق من غیر نافخ ، أو أن القلم ینقش من غیر كاتب …؟
أي رب:
إنك لتعلم أن ‘‘ الخاني ’’ الضعیف إنما هو في قبضتك مثل هذا القلم المقید المعذور . قلبه في یدك ، وجوارحه
ملك لتصرفك .. أنت الآمر القوي وهو المأمور الضعیف . أنت المالك الغني وهو المملوك الفقیر . ولئن كنت قد
منحته یا مولاي في شؤونه بعض تصرف أو اختیار ، فلقد فوض ذلك أیضا إلیك ، وتجرد من كل اختیاره
وتصرفه لسلطانك وأمرك . فهو بكل ما أولیته – سواء كان علما أم قلما أم عملا – ملك لأمرك ووقف لتصرفك
وإرادتك . وهو وحقك یا مولاي لا یفرق بین نفع له وضر ، ولا یملك لنفسه سعیا إلى خیر أو تجنبا عن شر…
وهو على كل ما لطخه من صفحات كثیرة بمداد القبائح والآثام ، لیس له دونك من غرض أو قصد ، ولیس له
بغیرك أي طاقة أو حول…
كل ما سطرته یا إلهي من أول سطر في صحائف حیاتي إلى أخره إنما هو نتیجة خطك وتقدیرك ، وإنها لسطور
كثیرة قد حوت سجل ثلاثین عاما من عمري الذي مضى … * إذ كان التاریخ حینما انفكت روحي عن غیبها
إحدى وستین وألفا.
ولقد ناهزت الیوم العام الأربع والأربعین ، ولست أرى فوق كاهلي إلا ركاما من السیئات والآثام ، لا أجد بینها
درهما من عمل صالح قدمته.
رباه:
كما وفقتني في نهایة هذا السِّفْر إلى الالتفات لعظمتك والتسبیح بحمدك ، أسألك أم توفقني في نهایة حیاتي
أیضا إلى التمسك بهدیك والإیمان بلطفك وحكمتك…
*كان ھذا عمرأحمد خاني حینما ألف ھذه القصة مع إضافة أربعة عشر عاما ، وھي أيام الصبا التي
استثناھا من سجل أعماله . فاذا أضیفت إلیه كان أربعة وأربعین كما بین ذلك فیما بعد…

ممو زين, قصة ممو زين, ممو زين pdf, كتاب ممو زين, ملحمة ممو زين, ممو زين pdf, تحميل ممو زين pdf, تحميل رواية ممو زين, تحميل كتاب ممو زين

تعليق واحد

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.