لمحة عن تاريخ الرقة

لمحة عن تاريخ الرقة 1

• منذ أن قرّرت قوات سوريا الديمقراطية المشاركة مع قوات التحالف في الحرب ضد تنظيم “داعش” في أكبر معقل له في سوريا، وهو مدينة الرقة، صرنا نسمع العديد من الأصوات الممتعضة والرافضة لتحرير هذه المدينة. بل وتمّ وصف الكُرد وحلفائهم بـ “الغرباء” من قبل بعض الشخصيات السورية المعارضة للنظام .

• إنّ التصريحات اللّامسؤولة التي تصدر عن الإعلام الموالي لما يعرف ب”الثورة السورية” باتت تحرّض الشعب العربي السوري على الكُرد بشكل ممنهج، ممّا يزيد من الشرخ الحاصل بين مكوّنات الدولة السورية.

• لذلك أطرح لكم هذا المقال عن محافظة الرقة التي تحتوي اليوم كُرداً وعرباً وغيرهم، وكـلمحة بسيطة وسريعة عن تاريخ الرقة القديم، فهي كانت تحت سيطرة الكُرد زمن الدولة الساسانية التي كان يترأسها الامبراطور كي خسرو (كسرى الأول) المعتمد على حماية الكُرد ضد الروم غربي الدولة الساسانية، وكانت مناطق مهددة من قبل الروم البزنطيين وحدثت عدة معارك بينهم، وقد خضعت الرقة لسيطرة العديد من الدول والممالك التي كانت قائمة وسادت فيها شعوب، منهم الآشوريين، الروم البيزنطيين، العباسيين، الزنگيين، الأيوبيين، السلاجقة، العثمانيين.

• ولكن أول من سكنها في العصر القديم، و كذلك الحديث بدءاً من العثمانيين هم الكُردية.
‎إنّ الكونفدرالية الملية الكُردية، والتي تمّ توثيقها في المصادر العثمانية بدءاً من عام 1518م فصاعداً، أصبحت في النصف الثاني من القرن الـ 18 أقوى مجموعة قبلية مسيطرة على كامل البادية الشمالية التي تمثّل شمال شرق سوريا وشرقها اليوم.

• الكُرد الملّان متواجدون في الرقة منذ عام 1711 م بعد أن أصدر السلطان العثماني أمراً بترحيل الملّان لمنطقة أخرى ضمن أراضي جغرافية كُردستان، حيثُ تمّ ترحيلهم من منطقة الجزيرة الفراتية الوسطى إلى بادية الرقة، والتي كانت عبارة عن مراعي خالية آنذاك، وبعد تطبيق الفرمان عادت أغلب القبيلة إلى موطنها الأصلي بسبب تفشي المرض بين مواشي القبيلة وموت بعضها الآخر نظراً للطقس غير الملائم في بادية الرقة .وفي منتصف القرن 18، إعترف العثمانيون بزعماء القبائل المليّة الكُردية وقاموا بتعيين محمود كلش عبدي مسؤولاً ورئيساً للإسكان. وقد أتيحت لهم سلطة فرض الضرائب والسيطرة على القبائل الأخرى في المنطقة. وفي عام 1758م، دخل الرئيس الملّي تيمور ( زور تمر پاشا) وأخيه مسؤول الإسكان محمود كلش عبدي وادي الخابور، وقاموا بإخضاع القبائل المحلية واعتبار المنطقة منطقة الكونفدرالية الملّية وكل العشائر التي خضعت لهم انضمّت إلى الحلف الملّي الكُردي، وبعد ذلك بدأت محاولات الملّان بإقامة
إمارة كُردية مليّة مستقلة .

• في عام 1789 م تم إصدار فرمان عثماني بإعدام زعيم عشائر الملان تيمور الملّي ( لقّب بـ زور تمر پاشا لقسوته ) بسبب الشكاوي التي قدّمت للسلطان العثماني من قبل القبائل التي كانت تنافسه في مناطق النفوذ متحجّجين بشدّته وقسوته في تمديد مناطق نفوذه و أيضاً نظراً لخطورته في المنطقة على الصعيد العثماني، ولكن لم يفلح جنود السلطان بإخضاعه والقبض عليه، وفي عام 1791 م تمّ إصدار فرمان آخر ضدّه، ولكن هذه المرة لجأ إلى والي بغداد الذي كان على علاقة جيّدة معه، فتوسّط له مع السلطان العثماني حتى تمّ إصدار عفو عام عنه .في عام 1800 م، قامت الحكومة العثمانية بتعيين رئيس الملّان تيمور كلش عبدي حاكماً رسمياً
على الرقة لمدة ثلاثة سنوات .

• لننظر إلى خريطة الرقة للعقيد السير مارك سايكس، المبعوث الرسمي البريطاني للشرق الأوسط ، والتي عُرِضت في صحيفة بريطانية عام 1909 م اسمها (THE GEOGRAPHICAL) وهي تُظهِر الرقة التابعة آنذاك لنفوذ القبائل الكُردية ( ملّان، شيخان، برزاية) حتى وبعد قدوم العشائر العربية (العشاريون نسبة إلى قدومهم من جنوب الميادين في دير الزور، كعائلات وليس بصفة عشائر)/ الذين شكلوا تحالفا ًمع عشيرة طي والدليم، و قبائل الملّان الكُردية في نهايات الدولة العثمانية، وبإمكاننا أن نلاحظ التسميات الكُردية التي تغزو الرقة مثل اسم قبيلة شيخان الكُردية المشار إليه بسهم أخضر، واسم مِل بعد نهر البليخ كإشارة للملّية كما أشرتُ إليها بسهم أحمر، وأيضاً مناطق أصبحت تحت سيطرة البرازية ضمّت نهر عين عيسى كما مشار إليه بسهم أزرق .

• حتى يومنا هذا يوجد الكثير من العوائل الملّية التي تنتمي الى عشيرة الكم نقش الملّية ومنهم بيت خلف القاسم و الجدوع و الحني و الشواخ و غيرهم الكثير، ويعتبرون أول من سكن مدينة الرقة، وكثيرون أيضاً من عوائل برازية وغيرهم من الكُرد بالرغم من محاولات التهجير التي تعرّض لها الكُرد منها من قبل قبيلة عنزة العربية بعد تعاونها مع الإحتلال الفرنسي ضد الكُرد وفرضها الضرائب بالقوة، والذي صار سبباً لنزوح الكثير من الكُرد باتجاه
الشمال.
‎وبناءً على ما ذكرته من معلومات، فهي أدلة كافية لإثبات أنّ الكُرد ليسوا غرباء عن الرقة، بل لهم فيها تاريخ طويل حافل بالأحداث، فلولا الوجود الكُردي الكبير هناك والحاضنة الشعبية الكُردية لما أصبح زعيم الملّان تيمور پاشا حاكماً على الرقة ولما أصبح أخوه مسؤولاً عن التوطين والإسكان فيها، ناهيك عن العشائر الكُردية المحيطة بمركز مدينة الرقة والتي تضمّ كافة قرى ريف الرقة.

‎المراجع و المصادر:

‎- الخريطة : خريطة مارك سايكس لطوق الفرات الغربي من المجلة الجغرافية البريطانية لعام 1909 م . –
‎الصور: من أرشيف گيرترود بيل، الرقة، بعدسة عالمة الآثار گيرترود بيل، عام 1909 م . –
‎كمال صليبي : من كتاب بكلية الصحافة ، كاليفورنيا ، عام 1990 م.
‎بيت القصور: إعادة نظر في تاريخ لبنان ، الصفحة 154 . –
‎ينتر ستيفن: نهضة أخرى ، سنة 2006 م .
‎البدرخانيين والملّان والجذور القبلية الكُردية العلمانية في سوريا، مترجم عن الانگليزية . –
‎وينتر ستيفن: من كتاب الكُرد السوريين في أرشيف الدولة العثمانية ، المطبوع سنة 2009 م ، مترجم عن الفرنسية.

جوان سعدون

تم النشر في
مصنف كـ أماكن

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.